المراهقون وصورة الجسد

كيف نساعد المراهقين على تدبّر مشاعرهم عندما تتغير ملامح أجسادهم.

مراهقة تنظر في المرآة
dodotone / Adobe Stock

إن علاقتنا مع أجسادنا مسألة معقدة في كل مرحلة من مراحل الحياة، لكنها أعقد بشكل خاص لدى المراهقين واليافعين الذين تنمو وتتغير أجسادهم بسرعة. في هذا الحوار، تحدثنا مع الدكتورة ’ليسا دامور‘ وهي مختصة بعلم النفس وكاتبة وأم حول كيفية دعم الطفل في تعامله مع مشاعره تجاه التغيرات في جسده.

 

ما هي "صورة الجسد"؟

د. دامور: "صورة الجسد" هي الطريقة التي نرى بها أنفسنا، وشعورنا نحو أجسادنا، وتصورنا لمظهرنا في عيون الآخرين. تبدأ هذه الصورة بالتشكل منذ الصغر، وتتطور مع نضوجنا، وتتأثر بمن هم حولنا وبما نراه ونمر به. وعند المراهقين، قد يكون لمشاعرهم تجاه شكلهم ووزنهم ومظهرهم أثرٌ بالغٌ على ثقتهم بأنفسهم وتقديرهم لذواتهم. وفي حين أنه من الطبيعي جداً أن تنتاب المراهقين مشاعر متضاربة تجاه أجسادهم، إلا أن البعض قد يعاني مما نسميه "صورة غير صحية عن الجسد".

قد يكون لمشاعر المراهقين تجاه شكلهم ووزنهم ومظهرهم
أثرٌ بالغٌ على ثقتهم بأنفسهم وتقديرهم لذواتهم

ما هي صورة الجسد غير الصحية؟

د. دامور: تنشأ صورة الجسد غير الصحية عندما يشعر المراهق بأنه عالق في دوامة أفكار سلبية حول مظهره. قد ينظر المراهق إلى المرآة بعين السخط لدرجة قد تزعزع إحساسه بذاته بالكامل. وللأسف، فإن ترسخ الصورة السلبية قد يؤثر على كيفية اعتناء المراهقين بأنفسهم. يسود الاعتقاد بأن مشاكل صورة الجسد تؤثر أساساً على الفتيات، لكن أعداداً متزايدة من الفتيان أصبحوا الآن منشغلين ببناء العضلات أو بذل جهود مضنية للتخلص من دهون الجسم. إذا بدا المراهق قلقاً بشدّة تجاه جسده بشكل يؤثر على حياته اليومية، فقد يدل ذلك أنه يعاني من وجود صورة جسد غير صحية.

ولا تقتصر مخاوف المراهقين على الوزن فحسب؛ بل تظهر كذلك إن وجدت مشاعر حول مظهره الخارجي تدفع المراهق للتساؤل حول قيمته كإنسان. فمثلاً، كثيراً ما يقارن الشباب مظهرهم بمن يرونهم من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي أو بالصور التي ينشرها أصدقاؤهم. هذا أمر طبيعي وإن كان مزعجاً — لكن سيدعو للقلق إذا جعلت المقارنة الشباب يعتقدون أن قيمتهم تنبع من مظهرهم لا غير.

يجب أن نشعر بالقلق إذا لجأ المراهق أو المراهقة لإخفاء أجسادهم خجلاً منها — مثلاً إذا امتنعوا عن مغادرة المنزل خجلاً من وحمات الولادة أو ندوب جراحية أو حب الشباب.

لا نريد للشباب أن يهدروا الوقت الطويل
في الاهتمام بالشكل؛ المهم حقاً هو المضمون

ما هي آثار صورة الجسد غير الصحية؟

د. دامور: يمكن أن تؤدي هذه الحالة إلى تحديات جمة للشباب.

أولاً، قد يشعرون بالضيق تجاه أنفسهم —بسبب مظهرهم في أغلب أو كل الأحيان. ومما يثير القلق أيضاً أن الشباب الذين يعانون من هذه المشكلة قد يقضون وقتاً غير متناسب في القلق بشأن مظهرهم أو محاولة تعديله.

وبينما يُعد التمتع باللياقة وممارسة الرياضة أمراً رائعاً، وتجربة الملابس والمكياج أمراً ممتعاً، إلا أننا لا نريد أن ينصب تركيز الشباب المفرط على "أوعيتهم" بينما الأهم هو "مضمونهم". وبالطبع، يحين الوقت للقلق بشأن صورة الجسد إذا توقف الشاب عن الاعتناء بنفسه بشكل جيد، سواء في تغذيته، أو نشاطه البدني، أو طريقة تعامله مع جسده بأي شكل.

ما أسباب تشكل صورة جسد غير صحية؟

د. دامور: قد تحدث المعاناة مع صورة الجسد في أي وقت، لكنها أكثر شيوعاً خلال مرحلة البلوغ. والسبب هو أن الجسم يفرز خلال هذه المرحلة هرمونات تجعلك أكثر ملاحظة لمظهرك ولأجساد الآخرين. إنها مرحلة قد يمر فيها الجسد بطفرات نمو مفاجئة، وأحياناً تحدث قبل أو بعد أقرانك. هذه التغييرات تحدث للجميع، لكنها قد تسبب شعوراً بالقلق أو فقدان السيطرة.

وبالنسبة لليافعين والمراهقين اليوم، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل صورة الجسد. إنهم منغمسون في عالم تفيض فيه منصات التواصل المعتمدة على الصور بمقاطع وصور لأجساد فائقة اللياقة أو النحافة. إن رؤية المئات من هذه الصور قد يغير مفهومهم حول كيف "يجب" أن تبدو الأجساد، فيُصعّب عليهم تقدير مظهرهم الطبيعي والفريد.

هناك عوامل أخرى قد تساهم في تكوين صورة غير صحية:

  • فوسائل الإعلام لا تعرض إلا أجساداً شديدة اللياقة أو النحافة.
  • علينا أن نكون واعين لما نسميه "ثقافة الحمية"، وكيف يتعرض الشباب لتسويق يروج لمنتجات إنقاص الوزن أو يعدهم بتحقيق "صورة مثالية".
  • وهناك مشكلة أخرى تتمثل في أن البالغين قد يزيدون الوضع سوءاً دون قصد. قد يحدث ذلك من خلال حديثهم بنبرة سلبية عن أوزانهم، أو عبر دروس مدرسية تركز بشدة على اللياقة، أو حتى تعليق البالغين على مظهر شاب أو وزنه، مما يوحي بأن جسده يجب أن يبدو مختلفاً عما هو عليه.

ما العلامات التي يجب أن ينتبه لها الوالدون؟

د. دامور: ابدأ بمراقبة العلامات التي تشير إلى أن المراهق قد يشعر بعدم الرضا عن جسده.

  • لاحظ إذا كان يغير طعامه، أو يتجنب أطعمة معينة، أو يبحث عن مكملات غذائية أو مساحيق بروتين، أو يفوت وجبات، أو ينجرف خلف أحدث صيحات الحمية والتمارين.
  • القلق بشأن وزنه، أو انتقاده مظهره، أو رفض المشاركة في المناسبات الاجتماعية التي قد تتعارض مع جدول تمارينه.

إذا رأيت أياً من هذه العلامات، فقد حان الوقت لقول: "ألاحظ أن مخاوفك بشأن جسدك تستهلك الكثير من وقتك وطاقتك. تعال نتكلم".

للقراءة: متى يتوجب أن تساعد طفلك المراهق في الحصول على دعم في الصحة النفسية

قد يساعد كثيراً اتخاذ نهج دافئ ومتفهم
عند الحديث حول مشاعر المراهقين تجاه أجسادهم

كيف يمكن للوالدين المساعدة في دعم صورة جسد صحية؟

د. دامور: لدعم صورة جسد صحية، ابدأ بأن تكون أنت القدوة في تقبل واحترام جسدك وأجساد من حولك. عدم التذمر بشأن جسدك — حتى لو لم ترض عنه— وتجنب انتقاد الآخرين، يمكن أن يساعد كثيراً في جعل المراهق يشعر بالرضا عن نفسه.

  • شجع المراهق على التركيز على ما يحبه في شخصيه، وليس فقط مظهره.
  • إذا لم تكن متأكداً مما يجب أن تقوله، جرب كتابة قائمة معاً بنقاط قوته العديدة.
  • يمكنهم الاحتفاظ بهذه القائمة كتذكير ملموس بمدى قيمته وأهميته، بغض النظر عن مظهره.

تحدث معه بصراحة حول وسائل الإعلام وساعده على فهم أن الكثير مما يراه عبر الإنترنت ليس طبيعياً ولا يمثل مقارنة عادلة. ساعده في متابعة حسابات أخرى.


"إعادة ضبط" وسائل التواصل الاجتماعي: إذا كانت "الخوارزمية" على منصة التواصل تعرض باستمرار محتوى عن تخفيف الوزن أو صورة الجسد، استكشف مع المراهق طرقاً لـ "إعادة ضبط" ما يعرض له.

  • إضافة لمتابعة حسابات جديدة، ألغ متابعة حسابات معيّنة واستخدم الأدوات المتاحة.
  • على سبيل المثال: تحديث التوصيات، مسح سجل المشاهدة أو البحث، وضع علامة "غير مهتم" على المنشورات، أو استخدام الإعدادات التي تحد من المحتوى الحساس.

شجع المراهق على الاستمتاع بالأنشطة البدنية لما تمنحه من مشاعر — بالقوة، والقدرة، والسعادة — وليس فقط لما قد تحدثه من تغيير في مظهره. إذا كنت تعتقد أن مشاعره حول صورة الجسد أصبحت الشغل الشاغل للمراهق ومدار تفكيره، فتواصل مع مختص طبي.

الأخبار الجيدة: قد يساعد كثيراً اتخاذ نهج دافئ ومتفهم في المحادثات حول مشاعر المراهقين تجاه أجسادهم. إن إظهار التعاطف وفهم وجهة نظر المراهق، وإجراء محادثات صريحة حول صورة الجسد مع الاحتفاء بالتنوع الذي نراه حولنا، يمكن أن يساعد بشكل كبير في مساعدة المراهق ليشعر بالراحة في جسده.

للقراءة: 3 طرق لمساعدة المراهق على الانفتاح في الحديث


الدكتورة ’ليسا دامور‘ هي طبيبة نفسية، ومؤلفة، ولها كتابات في صحيفة نيويورك تايمز، وأم لطفلين.