معدلات التقزم المقلقة تهدد ما يقرب من نصف أطفال اليمن

قصة بثينة ووالدتها تكشف واقعًا قاسيًا يعيشه الملايين في اليمن

ملاك شاهر، تمارا سوتيلا، إليزابيث ميلر
UNI762940
UNICEF/UNI762940/Hayyan
24 آذار / مارس 2025

تتناقص معدلات التقزم عالميا[1] ، إلا أنه في تزايد في اليمن بسبب الصراع المطول والإنهيار الإقتصادي الذي جعل من الصعب على العائلات التأقلم. تشير الإحصائات[2] إلى أن ما يقرب من نصف أطفال اليمن ممن هم دون سن الخامسة يعانون سوء التغذية المزمن حيث لم تتراجع معدلات التقزم خلال العقد الماضي.

 

بثينة ذات العامين والنصف من محافظة أبين جنوبي اليمن هي واحدة من هؤلاء الأطفال المصابين بالتقزم. عندما أخذتها والدتها إلى المستشفى مؤخرا، تم تشخيص بثينة بالتقزم- حيث أن طولها أقصر من الطول الطبيعي لطفل في عمرها. كما تم تشخيصها بسوء التغذية الحاد الوخيم- أي أن وزنها أيضا أقل من الوزن الطبيعي لطولها.

التقزم هي الحالة التي يكون فيها طول الطفل بالنسبة للعمر أقل من متوسط معاييرنمو الطفل القياسية لمنظمة الصحة العالمية بمقدار انحرافين معياريين. وهو نتيجةلنقص التغذية المزمن أو المتكرر، والذي يرتبط عادة بالفقر، وسوء صحة الأم وتغذيتها،والمرض المتكرر و/أو الاطعام والرعاية غير الملائمين في وقت مبكر من حياة الطفل.

لسوء الحظ، واجهت بثينة ذلك خلال الألف يوم الأولى من عمرها. تعتبر الألف يوم الأولى من حياة كل طفل– والتي تبدأ من الحمل وحتى بلوغ الطفل عامه الثاني – ذات أهمية بالغة للنمو والتطور المعرفي، حيث أن هذه الفترة التكوينية لا تشكل الصحة البدنية فحسب، بل تشكل أيضاً الإمكانات الفكرية. بالنسبة لبثينة، فقد اتسمت تلك الفترة الحاسمة من حياتها بشحة العناصر الغذائية اللازمة لنموها، وقد أدى سوء التغذية إلى تقزم نموها، مما جعلها عرضة للانتكاسات مدى الحياة.

لم يختلف الحال بالنسبة لوالدة بثينة- مريم البالغة من العمر 19 عاما فقط- فقد حملت العبء منذ أن كانت في السادسة عشر من العمر. تعيش مريم مع أسرة زوجها في منزل صغير مشترك، وتحاول توفير احتياجات ابنتيها بثينة وبونة البالغة من العمر 10 أشهر - والتي تعاني أيضاً من التقزم وسوء التغذية الحاد الوخيم - بينما تنتظر طفلها الثالث. إن دخل العائلة، الذي يعتمد على عمل زوجها المتقطع كسائق دراجة نارية، بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية. 


[1]جامعة ولاية بنسلفانيا واليونيسيف، تحليل الوضع التغذوي الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اليونيسيف، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، 2024

[2] إحصاءات اليونيسف، المسح العنقودي متعدد المؤشرات في اليمن، مقتطفات إحصائية 2022 - 2023 .

UNI762944
UNICEF/UNI762944/Hayyan بونا، شقيقة بثينة، البالغة من العمر عشرة أشهر، في حضن والدتها. تعاني بونا أيضًا من التقزم وسوء التغذية الحاد الوخيم. يعيش ملايين الأسر في اليمن وضعًا مأساويًا نتيجةً للصراع الممتد. لا يملك والد بثينة وبونا دخلًا ثابتًا.

زارت مريم - خلال فترة حملها ببثينة –المركز الصحي للحصول على رعاية ما قبل الولادة أكثر من أربع مرات، وقد تم تزويدها بحمض الفوليك والحديد، والذي تناولته لمدة أربعة أشهر فقط. كما زودتها هذه الزيارات بوعي متزايد بالممارسات المتعلقة بالحمل. ومع ذلك، لم تقم مريم بزيارة المركز الصحي للحصول على رعاية ما قبل الولادة المثلى وعانت من مضاعفات في الدم واحتاجت إلى نقل دم قبل أسبوع من الولادة.

عندما ولدت بثينة، كانت مريم تعاني مجهدة وتعاني من سوء التغذية والتوتر. كانت وجبات مريم كل يوم تتكون من الخبز والشاي أو الحليب وقت الإفطار والعشاء، وكانت وجبات الغداء من الأرز والبطاطس. هذا النظام الغذائي الضئيل وغير المتنوع ترك جسدها يعاني من سوء التغذية، وغير قادر على توفير التغذية المناسبة التي تحتاجها بثينة. كان يتوجب عليها - بحسب التصورات الشائعة - الاعتماد على الحليب الصناعي لأنها لم يكن لديها ما يكفي من حليب الثدي لإطعام بثينة. وبحلول الشهر الرابع، كانت طفلتها بثينة تتغذى على البطاطس والأرز – وهي الأطعمة التي جعلت جسدها الصغير يعاني من المرض في الآونة الأخيرة. وعندما أخذت مريم بثينة إلى المستشفى عرفت أنها تعاني من سوء تغذية حاد شديد وتقزم. تتلقى بثينة حالياً مكملات غذائية علاجية أسبوعية، لكن مريم تعلم أن الضرر قد استفحل ولا علاج منه. تقول مريم بصوت متقطع: "أحياناً، تحدق بي فقط عندما أتحدث إليها، وكأنها لا تفهم”. وتضيف الدكتورة سنية : "لقد ظل وزن بثينة وطولها كما كانا في قياسات الشهر الماضي".

يمنع التقزم الأطفال من الوصول إلى إمكاناتهم البدنية والإدراكية. وبالتالي، فإن الأطفالالذين يعانون من التقزم سيتأخر النمو الإدراكي لديهم مع ظهور الأعراض التالية: تأخير في التقلب والجلوس والحبو والمشي، ومشاكل في المهارات الحركية الدقيقة، وفي فهم ما يقوله الآخرون، وصعوبة في حل المشكلات، وتأخر في تعلم المهارات الاجتماعية، ومشاكل في النطق أو تأخر في القدرة على الكلام.[1]


[1]منظمة الصحة العالمية: https://www.who.int/news/item/19-11-2015-stunting-in-a-nutshell و أونيس م، برانكا ف. التقزم في مرحلة الطفولة: منظور عالمي. مجلة التغذية للأم والطفل. مايو 2016 ؛ 12 ملحق 1)ملحق 1(: 26 -

إكرام: قصة أمل

أما بالنسبة للطفلة إكرام، فإن الألف يوم الأولى في حياتها كانت مختلفة. فقد اتبعت والدتها سماح إرشادات العاملين في مجال الصحة، فأرضعت طفلتها رضاعة طبيعية خالصة لمدة ستة أشهر ثم بدأت تدريجياً بإدخال مجموعة متنوعة من الأطعمة الصلبة. وقد كانت الأسماك )التي يجلبها زوجها من عمله( والفاصوليا ) من السوق ( توفر العناصر الغذائية الأساسية، الأمر الذي جعل إكرام تتمتع بطاقة عالية وفضول بلا حدود.

تُعد حالة إكرام دليلاً دامغاً على قوة التغذية المبكرة وأهمية رعاية الأم للطفل. وعلى الرغم من التحديات المالية التي كانت تواجهها الأسرة، فقد تمكنت سماح وزوجها من توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية التي منعت من حدوث العلل التي لا يمكن علاجها.

مقارنة بين بثينة وإكرام

يشير تقييم طول ووزن بثينة إلى أنها قصيرة القامة بالنسبة لعمرها (متقزمة). كما أنها تعاني من الهزال، حيث أن نسبة وزنها إلى طولها منخفضة جدًا. من ناحية أخرى، تتمتع إكرام بطول ووزن طبيعيين بالنسبة لعمرها، وهي طفلة تبلغ من العمر عامين تتمتع بصحة جيدة وتغذية جيدة. اعتمدت إكرام على الرضاعة الطبيعية حصريًا منذ ولادتها وحتى بلوغها ستة أشهر.

UNI762934
UNICEF/UNI762934/Hayyan تقف الطفلتان ذواتا العامين- إكرام على يمين الصورة وبثينة على يسارها- جنبا إلى جنب ويظهر عليهما الفرق في الصحة والنمو رغم أن الفارق العمري بينهما لا يتعدى الشهرين فقط. يؤكد هذا التباين الصارخ على مدى التوازن الهش بين مفهومي الازدهار والبقاء على قيد الحياة فقط.

تغذية الأطفال أمرٌ بالغ الأهمية، ليس فقط لبقائهم ونموهم الفوري، بل أيضًا لازدهار البلاد وسلامها على المدى الطويل. إن الفشل في منع سوء التغذية يُديم دورات الفقر والموت والمرض، بالإضافة إلى الركود الاقتصادي طويل الأمد والاضطرابات الاجتماعية المحتملة.

تعكس قصة بثينة المأساة التي تتكشف في اليمن، حيث يُمكن أن يُغير الحصول على طعام مُغذي، وممارسات تغذية مناسبة للرضع والأطفال الصغار، وخدمات صحية، وبيئة معيشية صحية ونظيفة، مسار حياة الطفل.

يعتبر برنامج التغذية العلاجية التابع لليونيسف في اليمن فعالاً في علاج الهزال لدى الأطفال، حيث بلغت نسبة التغطية 89% ومعدل الشفاء 92 % في 2023 . ومع ذلك، هناك حاجة إلى تعزيز جهود التغذية الوقائية لوقف سوء التغذية قبل أن يبدأ.

تشمل الفجوات المطلوب معالجتها الحاجة إلى تحسين المشورة بشأن ممارسات تغذية الرضع وصغار الأطفال، والترويج بشكل أفضل للرضاعة الطبيعية، وزيادة تغطية فيتامين أ والتخلص من الديدان. بالإضافة إلى ذلك، تفتقر العديد من النساء والأطفال إلى القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية، مما يسلط الضوء على الحاجة إلى تعزيز التوعية والخدمات المجتمعية. كما أن هناك حاجة لزيادة التمويل المخصص لتنفيذ إجرائات التغذية الوقائية وأن تكون التمويلات طويلة الأمد لضمان استمرارية برامج التغذية واستدامتها.