كل دقيقة مهمة في معركة اليمن ضد سوء التغذية
ترك الصراع في اليمن والفقر ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية ملايين الأطفال في خطر
- English
- العربية
بعد أن عانت طفلتها الصغيرة نادية من تقيؤ متكرر وحمى شديدة وصعوبة في التنفس، هرعت مريم بسرعة إلى مركز صحي صغير.
تتذكر مريم قائلة: "كانت ابنتي خاملة وضعيفة للغاية ولم أعرف كيف أتصرف. كنت مرعوبة من فقدانها".
في مديرية الخوخة بمحافظة الحديدة الساحلية غربي اليمن، أصبح مركز التغذية العلاجية منارة أمل للعائلات التي تصل مع أطفال مثل نادية، على حافة الموت حيث ترك الصراع في اليمن والفقر ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية ملايين الأطفال في خطر، وفي مناطق نائية مثل الخوخة، يمكن لمركز واحد يعمل بكفاءة أن يُحدث فرقًا بين الحياة والموت.
تعيش أسرة نادية في ظروف معيشية صعبة للغاية. يعمل والدها سائق دراجة نارية لنقل الركاب مقابل دخل زهيد، ولم تكن الأسرة قادرة على تحمل تكاليف السفر إلى المركز. بلغت تكلفة النقل 4000 ريال (2.4 دولار أمريكي)، وهو مبلغ لم يكن متوفرًا لديهم. تبرع الجيران وأفراد المجتمع الطيبون بالمال حتى تتمكن مريم من إحضار ابنتها لتلقي العلاج.
معركة من أجل البقاء
عند وصول نادية، كانت حالتها مُقلقة. أوضحت الممرضة أحلام، إحدى العاملات الصحيات في المركز: "كانت تعاني من حمى شديدة، وقيء، وعلامات التهاب رئوي. كانت حالتها حرجة. لولا التدخل الفوري، لكانت حياتها في خطر".
ويضيف الدكتور عبد الله، وهو طبيب كبير في المركز يُعالج سوء التغذية منذ أكثر من سبع سنوات: "حالات مثل حالة نادية شائعة للأسف هنا. كل ساعة تُحسب، والتدخل الفوري من شأنه أن يُنقذ حياة طفل".
تحرك الفريق الطبي بسرعة، وأدخل نادية إلى جناح التغذية العلاجية وبدأ بتقديم الرعاية الطارئة لها. تم إعطاؤها حليبًا علاجيًا، ومضادات حيوية قوية، وخضعت لمراقبة دقيقة للكشف عن أي عدوى أو جفاف. تدريجيًا، وعلى مدار سبعة أيام، انخفضت حرارتها، واستقر تنفسها، وبدأت طاقتها تعود إليها.
"حالات مثل حالة نادية تستغرق وقتًا للاستجابة، ولكن بعد سبعة أيام، بدأت تظهر عليها علامات إيجابية، وتحسنت شهيتها، واستقرت درجة حرارتها، وزاد وزنها قليلًا".
وأكدت الممرضة أحلام على الجانب الإنساني للعلاج قائلة: "العلاج لا يقتصر على الأدوية فقط، بل يشمل أيضًا طمأنة الطفلة، ودعم الأم، وطمأنة الأسرة بأنها ليست وحدها".
لم تفارق مريم ابنتها لحظة. وقالت: "أنا ممتنة. بدأت ابنتي تبتسم وتلعب من جديد. كنت أبقى معها كل ليلة في الغرفة نفسها. لقد اعتنى بها الأطباء كما لو كانت ابنتهم".
بعد انتهاء العلاج
بعد خروج الطفلة نادية من المرفق التغذوي العلاجي في الخوخة، تابعت والدتها مريم حالتها في مركز الرعاية الصحية الأولية القريب، وهناك تتلقى الإرشادات الأساسية من العاملين الصحيين. تقول مريم: "يُعلّمونني كيفية إطعام ابنتي بشكل صحيح. والأن أعرف كيف بإمكاني أن أمنع إصابة طفلتي بالمرض مرة أخرى".
يؤكد العاملون الصحيون على أن التثقيف بشأن تغذية الرضع وصغار الأطفال لا يقل أهمية عن العلاج نفسه. وأوضحت الممرضة أحلام: "في كثير من الأحيان، تتوقف العائلات عن إطعام أطفالها أو إرضاعهم طبيعيًا أثناء المرض، مما يُفاقم سوء التغذية. جزء من مهمتنا هو رفع مستوى الوعي حتى يتمكن هؤلاء الأطفال من البقاء بصحة جيدة في المنزل".
التحديات والأمل
مثل العديد من المرافق الصحية في اليمن، يواجه مركز الخوخة لرعاية الأطفال تحديات يومية خصوصا تزايد حالات سوء التغذية الحاد المصحوب بمضاعفات، كلها عوامل تُشكل ضغطًا مستمرًا على الكادر الطبي. وصف الدكتور عبد الله الضغط قائلاً: "غالباً ما نستقبل عدداً من الأطفال يفوق طاقتنا الاستيعابية. كل سرير ثمين، وأي تأخير في الرعاية قد تكون له عواقب وخيمة. مع ذلك، يعمل فريقنا بلا كلل لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح."
وأضافت أحلام: "نحن بحاجة إلى مزيد من الطاقة الاستيعابية، وخاصة جناح إضافي للأطفال. الحالات في ازدياد، وكل سرير يعني إنقاذ حياة أخرى."
ورغم هذه الصعوبات، فإن التزام الفريق ثابت لا يتزعزع. وقالت أحلام: "عندما نرى الأطفال يغادرون بصحة جيدة، يمنحنا ذلك القوة للاستمرار."
اليوم، نادية بين ذراعي والدتها، أقوى وأكثر صحة، وابتسامتها مشرقة. قالت مريم: "أنقذ مركز التغذية العلاجية هذا حياة ابنتي. لقد اعتنى بها بحب، ومنحوني الأمل. بالنسبة لنا، هذا يعني كل شيء."
تأمل الدكتور عبد الله في لحظات كهذه قائلاً: "إن رؤية طفل يتعافى بعد أيام من المرض الشديد أمرٌ يدعو للتواضع والتحفيز في آنٍ واحد. فكل قصة نجاح، كقصة نادية، تُذكّرنا بالسبب الذي يدفعنا لمواصلة هذا العمل رغم التحديات التي نواجهها يومياً."
تمكنت اليونيسف من تقديم دعم كامل لمركز التغذية العلاجية في الخوخة منذ نوفمبر 2024 وحتى اليوم. وشمل الدعم تغطية تكاليف التشغيل، وحوافز الموظفين، والحليب العلاجي، والأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، ووجبات الطعام لمقدمي الرعاية، والدعم المختبري. وقد أُتيحت هذه المساعدة المباشرة بفضل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (الصندوق المركزي للاستجابة لحالات الطوارئ) UNOCHA ، الذي قدم الدعم من نوفمبر 2024 حتى أكتوبر 2025، ومنذ نوفمبر 2025 وحتى الآن، تواصل اليونيسف دعمها لمركز العلاج التغذوي بفضل الدعم المقدم من وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية التابعة لحكومة المملكة المتحدة FCDO).