بطل في دعم تعليم الأطفال
كيف يساعد أبو شام جيلاً نشأ في ظل النزوح على التعافي من خلال التعليم
- English
- العربية
في الأردن، أمضى أبو شام أكثر من عقد من الزمن وهو يثبت أن التعليم، بالنسبة لجيلٍ نشأ في ظل النزوح، يُعد أحد أقوى أدوات التعافي واستعادة الأمل.
عندما يتحدث أبو شام، يصغي الجميع في مخيم الحديقة في الأردن، بمن فيهم الأطفال واليافعون. ويستمد تأثيره من إيمانه الراسخ بأن أي طفل يعيش تجربة النزوح يجب ألا يُحرم من حقه في التعليم. بالنسبة للعائلات والأطفال هنا، وكثيرٌ منهم لم يعرفوا وطناً سوى صفوف الكرفانات التي يعيشون فيها، لا يُعد أبو شام مجرد متطوع، بل نصيراً للتعليم يدرك أن الوصول إلى التعلم ليس رفاهية لطفل يكبر وسط حالة من عدم اليقين، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه كل فرصة لمستقبل أفضل.
أبو شام، وهو أب لثمانية أبناء، كان قبل اندلاع الأزمة في سورية رجل أعمال في دمشق، يدير سوبرماركت ويعمل في تنسيق الحدائق العامة في المدينة. وعندما اضطر إلى الفرار من النزاع عام 2013، كان يعتقد أن إقامته في الأردن لن تتجاوز بضعة أشهر، لكن تلك الأشهر امتدت إلى ثلاثة عشر عاماً.
وسط هذه الظروف الصعبة، وجد أبو شام رسالة جديدة تجاوزت مهنته السابقة، وهي الدفاع عن حق الأطفال في التعليم رغم تحديات النزوح.
لم يكن هذا التحول وليد اللحظة، ولم يخضه أبو شام بمفرده. فقد حمل معه شغفه ورغبته في خدمة الأطفال، بينما زوّدته اليونيسف بالدعم والتدريب المتخصص في مجال حماية الطفل، مما مكّنه من اكتساب المهارات اللازمة للقيادة المجتمعية. وأسهم هذا التدريب في تطوير قدراته ليصبح مرشداً يفهم الآثار العميقة للنزوح على الأطفال، ويعرف كيف يساعدهم على استعادة ثقتهم بأنفسهم ومواصلة التعلم.
واليوم، يُعد أبو شام أحد متطوعي اليونيسف الملتزمين، وحضوراً دائماً في المخيم. فمنذ انطلاق برنامج نوادي القراءة والرياضيات في تموز/يوليو 2025، يقود المبادرة التي توفر أنشطة تعليمية غير رسمية وتفاعلية تهدف إلى تنمية حب القراءة والرياضيات، وتشجيع الفضول، وتعزيز الثقة بالنفس، وتنمية المهارات الأساسية لدى الأطفال.
وفي كل يوم دراسي، يتولى تنظيم نقل الأطفال إلى مدرسة الأونروا القريبة خارج المخيم. وعلى ملعب كرة القدم، يعمل حكماً ومدرباً، ويؤمن بأن الرياضة وسيلة لتعليم أهم دروس الحياة، وخلق مساحة يشعر فيها الأطفال بأنهم مرئيون ومحترمون وجزء من مجتمع متماسك.
وبصفته قائداً مجتمعياً، يحظى أبو شام بثقة كبيرة بين سكان المخيم. فالآباء والأمهات والأطفال يلجؤون إليه طلباً للمشورة، وهم يعلمون أن نصائحه تستند إلى أكثر من عقد من التجربة المشتركة والمعرفة التي اكتسبها من تدريباته. وهو يحرص على نقل ما تعلمه إلى مجتمعه، محولاً المفاهيم التي تلقاها في التدريب إلى ممارسات يومية تساعد الأسر على دعم أطفالها.
"إذا لم تستمع إلى الطفل، فلن يستمع إليك." بالنسبة له، يبدأ التعليم من حقيقة بسيطة، وهي أن الطفل عندما يشعر بأنه مسموع، يبدأ بالثقة بأن التعلم مهم. ومن هذه الثقة يبدأ بناء مستقبله. ويضيف أيضاً
"مشاهدة طفل يضحك ويشعر بالسعادة تمنحني طاقة إيجابية كبيرة. كنت بحاجة إلى تلك اللحظات بقدر حاجتهم إليها، لأن فرحتهم تذكرني بأنه رغم كل ما فقدناه، ما زالت إنسانيتنا حاضرة."
هذا الرابط الإنساني العميق، الذي عززته المهارات التي اكتسبها من خلال اليونيسف، هو ما دفعه إلى مواصلة خدمته في المخيم لأكثر من عقد، ليكون نقطة استقرار لجيل عاش تغيرات متواصلة.
ويمتد التزامه تجاه الجيل الجديد إلى أسرته ومجتمعه أيضاً. فهو يطبق مع أبنائه الثمانية القيم نفسها التي يدعو إليها، وغالباً ما يقضي الوقت معهم في لعب الألعاب اللوحية. كما يحرص على توجيه الآباء والأمهات في المخيم إلى أهمية التحلي بالصبر مع أطفالهم، إيماناً منه بأن الصحة النفسية للطفل هي الأساس الذي يُبنى عليه مستقبله. وبالنسبة لأبو شام، فإن الصبر ليس مجرد فضيلة، بل هو شكل من أشكال الحماية، لأنه يمنح الطفل الشعور بالأمان، ويشجعه على طرح الأسئلة، وارتكاب الأخطاء، ومواصلة التعلم.
وبالنسبة للأطفال السوريين في المخيم، وكثير منهم لا يتذكرون وطنهم الأصلي، لا يزال الدعم الذي تقدمه اليونيسف والأونروا والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يشكل شريان حياة. ويتحدث أبو شام بفخر عن البرامج والتدريبات التي ساعدته على أن يصبح المرشد الذي هو عليه اليوم، وهو يدرك أن الحاجة إلى الدعم النفسي والتعليمي تزداد مع مرور السنوات. ويقول "عندما نصغي إليهم ونربطهم بالدعم المناسب، فإنهم ينمون ويصنعون مستقبلاً أفضل."
وتنعكس رحلته أيضاً في قصة ابنته شام، التي كانت طفلة صغيرة عند وصول الأسرة إلى الأردن، وأصبحت اليوم أماً، لتجسد الصمود والاستقرار اللذين كرّس أبو شام حياته لتعزيزهما. وبينما يقف على أرضية ملعب كرة القدم ممسكاً بصافرته، أو ينتظر الأطفال عند حافلة المدرسة، يظل حضوراً ثابتاً في حياتهم. وبالنسبة إليه، فإن كل طفل يصعد إلى الحافلة، أو يفتح كتاباً، أو يحل مسألة في نادي الرياضيات، هو دليل على أن النزوح لا يعني نهاية التعلم. قد يكون المستقبل غير مؤكد، لكنه أمضى أكثر من عقد من الزمن يعمل ليبقى هذا المستقبل ممكناً.