بناء السلام
قصص من العراق
- English
- العربية
غالباً ما يُنظر إلى السلام على أنه مجرد غياب للصراع، إلا أنه بالنسبة للكثيرين في العراق يحمل معنىً أكثر واقعية. إذ يتمثل في فرصة التعلم والعمل وإعانة الأسرة، ويتمثل أيضاً بوجود مكان آمن يشعر فيه المرء بالانتماء. وهو يتبلور حين يتجاوز الناس المحن، ويعيدون بناء روابطهم مع الآخرين، ويتطلعون إلى المستقبل بثقة.
يعمل الناس في جميع أنحاء العراق على بناء السلام يوماً بعد يوم بدعم من الأمم المتحدة. ورغم تباين قصصهم، إلا أنها تجتمع لتُظهر أن الاستقرار طويل الأمد يتطلب شمول الجميع وتحقيق التماسك المجتمعي، وتمكين الأفراد والمجتمعات على صياغة حياتهم بأنفسهم.
قد تبدو المبادرات اليومية لإعادة الإعمار وتعزيز الروابط الإنسانية بسيطة، لكنها تشكل الركائز الأساسية التي يتحقق من خلالها سلامٌ دائم.
السلام من خلال التعليم والشمول
يمكن للتعليم أن يفتح أبواباً أغلقتها الصراعات وحالات النزوح، كما تساعد سياسات الإدماج الناس على عبور تلك الأبواب وأخذ مكانهم في المجتمعات المحيطة بهم.
في الفلوجة، تشق "رنا" طريقها للعودة إلى المدرسة.
بعد انقطاع عن التعليم دام أكثر من عامين، عادت "رنا" إلى ديارها وهي تحمل في جعبتها ذكريات النزوح، وفقداناً عميقاً وشعوراً بعدم اليقين إزاء طفولةٍ لم تعشها كما يجب.
في مركز الفلوجة المجتمعي الذي تديره الحكومة العراقية بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وجدت "رنا" مكاناً آمناً لتبدأ حياتها من جديد. فمن خلال المبادرات التي تدعمها اليونيسف، يوفر المركز فصولاً للتعليم المُسرَّع، وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي، كما يوفر المساعدة القانونية لتمكين الأطفال النازحين من الحصول على الوثائق المدنية، فضلاً عن توفير مساحة تتيح للطلاب -مثل "رنا"- التعلم واللعب وإعادة بناء ثقتهم بأنفسهم تدريجياً.
وقد لاحظت معلمة رنا التحول الذي طرأ على رسوماتها قائلةً: "في البداية، كانت رسومات رنا تُظهر مشاهد الحرب، أما الآن فهي تعكس السلام".
بالنسبة لزينب، أصبح التعليم جسراً يربط بين المجتمعات. وبصفتها لاجئة سورية نشأت في مخيم "دوميز 1"، تفوقت زينب في دراستها المدرسية لكنها واجهت عائقاً مالياً حال دون مواصلة تعليمها؛ غير أن حصولها على منحة "DAFI" المقدمة من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أتاح لها دراسة العلوم السياسية في جامعة دهوك، حيث تخرجت متصدرةً دفعتها وأكملت لاحقاً رسالة الماجستير.
أكملت زينب دراستها إلى جانب الطلاب العراقيين. تقول: "لم أشعر يوماً بأنني مختلفة".
تسعى زينب اليوم إلى توظيف تعليمها لتعزيز الروابط بين مجتمعات اللاجئين والمجتمعات المضيفة؛ فما بدأ كفرصة لطالبة واحدة، تحوّل إلى فرصة للمساهمة والمشاركة والمساعدة في تقريب المجتمعات من بعضها البعض.
تُذكّرنا هذه القصص بأن التعليم والشمول عنصران أساسيان في بناء السلام؛ فالتعليم والشعور بالانتماء يؤديان إلى الاستقرار، الذي يفتح بدوره الباب أمام الاستثمارات في التعليم والتماسك المجتمعي.
فرص لبناء السلام، وسلام لبناء الفرص
يمكن للتعليم أن يوسّع الآفاق، لكن الناس بحاجة أيضاً إلى فرصٍ لتحويل مهاراتهم وأفكارهم وجهودهم المتواصلة إلى مصدر للرزق، ومن ثمّ إلى دافعٍ لبناء غدٍ جديد.
في نينوى، التقى ياسين وطه خلال دورة تدريبية حول تركيب وصيانة أنظمة كاميرات المراقبة في مركز الموصل للتدريب المهني. تدعم منظمة اليونسكو هذا المركز من خلال الإشراف على التدريب وتقديم ورش عمل وتدريب متعددة، كما تدعم المنظمة تصميم المناهج وربط المشاركين بأصحاب العمل.
وقبيل إتمام الدورة التدريبية، قرر ياسين وطه تأسيس مشروع تجاري مشترك.
بدأ ياسين وطه العمل جنباً إلى جنب مع شركة متخصصة، اكتسبا الخبرة في الوقت الذي كانا يعملان على انشاء قاعدة عملائهم الخاصة. وقد روّجوا لخدماتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واكتسبوا ثقة العملاء تدريجياً بفضل جودة العمل والموثوقية والاحترافية والأسعار التنافسية.
لم يعد طموحهما يقتصر على مجرد العثور على وظيفة؛ فهما يسعيان لتوسيع أعمالهم، وافتتاح متجر، وتأمين سبل العيش ليس لأنفسهم فحسب، بل لأسرهم أيضاً.
تُجسّد قصتهم الأثر الذي يمكن أن تحدثه الفرص الاقتصادية في مجتمع يتعافى من آثار النزاع؛ إذ يمكن للمهارة أن تتحول إلى مصدر للدخل، والدخلُ إلى استقلالية، وهذه الاستقلالية تمنح الناس دافعاً للاستثمار في أماكن إقامتهم وفي مستقبلهم.
في مخيم "دوميز" للاجئين، تمكن عدنان محمد -وهو مزارع ولاجئ سوري- من تأمين مصدر رزقه من خلال زراعة الخضروات في دفيئة زراعية. وعندما أدى ارتفاع تكاليف الأسمدة والمواد المعالجة الزراعية إلى زيادة صعوبة العمل في الزراعة، تكيف عدنان مع الوضع عبر استخدام أسمدة عضوية منتجة محلياً واعتماد طرق تقليدية لمكافحة الآفات.
وقد حظي عمله بدعم من مشروع "وظائف" الممول من الاتحاد الأوروبي، والذي ينفذه مركز التجارة الدولية. وبفضل هذا الدعم، تمكن عدنان من صيانة دفيئته، واقتناء آلات صغيرة، وتحسين ممارساته الزراعية؛ مما ساعده على تلبية متطلبات المشترين وزيادة قيمة منتجاته.
ويتولى مركز التجارة الدولية تنسيق برامج التدريب الميداني وتبادل المعرفة بين المزارعين، فضلاً عن ربطهم بأسواق التجزئة والمشترين في محافظات أخرى. يقول عدنان: "عندما يجتمع المزارعون معاً، يساهم كل فرد بخبرته الخاصة؛ فنحن نتعلم من بعضنا البعض، ونتبادل المعرفة، ونتخذ قرارات أفضل".
في الفلوجة، محافظة الأنبار، يتجسد السلام في عودة تدفق المياه إلى حقول المزارعين؛ فقد عادت "حسناء سهيل" -التي نزحت جراء الصراع عام 2014- إلى ديارها خالية الوفاض، ولجأت إلى الزراعة لتبدأ حياتها من جديد. وبفضل الدعم الذي قدمه برنامج الأغذية العالمي في مجال أنظمة الري الحديثة، أصبحت تزرع القمح والبرسيم والخضروات، كما أنشأت مزرعة للأسماك لتوفر الغذاء لأسرتها ومجتمعها. وبجوار حسناء، تمكن "خضير علي الجردي" من استعادة بستانه الذي فقده بسبب الحرب، وذلك بعد أن أدى تأهيل القنوات المائية إلى عودة مياه الري، في حين ساعد التدريب خضير على إنتاج السماد العضوي في تحسين جودة التربة وزيادة الإنتاجية.
لا تزال هذه التدخلات -التي نُفِّذت قبل أكثر من ثلاث سنوات- تدعم كلاً من حسناء وخضير وآلاف الأسر في محافظة الأنبار؛ مما يبرهن على أن دعم برنامج الأغذية العالمي يرسخ دعائم مستدامة، وأن الاستثمار في السلام يُثمر نتائج إيجابية لسنوات قادمة.
نبني السلام معاً
تأتي هذه القصص من مجتمعات متنوعة وتعكس تحديات مختلفة؛ فبعضها يتعلق بسبل العيش والفرص الاقتصادية، والبعض الآخر يتناول قضايا التعليم والشمول.
تحظى هذه المبادرات بدعم من برامج وهيئات متعددة تابعة للأمم المتحدة، وذلك بالتعاون مع الحكومة العراقية والشركاء المحليين والجهات المانحة.
ومع ذلك، فإنها تشترك جميعاً في دلالة واحدة؛ فالاستقرار لا يقتصر على إعادة بناء البنى التحتية أو استعادة الخدمات فحسب، بل يمتد ليشمل تغيير حياة الناس، وتعزيز العلاقات، وتهيئة الظروف التي تتيح للمجتمعات المضي قدماً معاً.