عودة صبي واحد إلى المدرسة تُعيد إحياء ثلاثة أحلام
عودة طفل واحد إلى مقاعد الدراسة تلهم أسرة بأكملها، وتُظهر كيف تحوّل حملة «العودة إلى التعلّم» على مستوى العراق فرص التعليم الضائعة إلى بدايات جديدة.
- English
- العربية
في الثالثة عشرة من عمره، عاد صهيب جهاد خلف شطران إلى مكانه الطبيعي: داخل أحد فصول مدرسة صلاح الدين في الرمادي. لم تقتصر عودته إلى المدرسة على تلقي الدروس فحسب، بل منحته أيضاً صداقات جديدة، وثقة متجددة، وفرصة أخرى للسعي نحو تحقيق حلمه.
يعيش صهيب في منطقة "ألبو عساف" بالجزيرة في محافظة الأنبار. ومثل الكثير من الأطفال الذين انقطعوا عن التعليم، كان بحاجة إلى من يؤمن به ويساعده على العودة إلى مقاعد الدراسة. وقد وفرت له حملة "العودة إلى التعلم" -التي تنفذها وزارة التربية بدعم من منظمة اليونيسف- كلاً من الدعم والإيمان بقدراته.
يقول صهيب: "شعور رائع أن أعود إلى المدرسة. لدي الآن أصدقاء جدد، وبإمكاني البدء بحياة جديدة".
وقد بدأت ملامح هذه البداية الجديدة تتضح بالفعل؛ فصهيب يحلم بأن يصبح طبيباً. والآن، بعد عودته إلى الفصل الدراسي -حيث يتعلم وينمو ويخطط للمستقبل- أصبح هذا الحلم ممكناً من جديد.
"أشجّع الأطفال الآخرين أن يعودوا؛ فهذا هو مستقبل الشباب جميعاً، وليس مستقبل فردٍ واحدٍ فحسب. فالدراسة والتعلّم يبنيان مستقبل جيلٍ بأكمله."
عودة واحدة، وثلاثة أحلام تتجدد
تستند عودة صهيب إلى المدرسة إلى إصرار والدته على ضمان استمرار تعليم أطفالها؛ فوجودهم في المدرسة يمنحها شعوراً بالفخر وراحة البال.
تقول الأم: "بفضل الله، نحن سعداء، وهذا أجمل ما في حياتنا كعائلة. أشعر بالسعادة لأن أطفالي يرتادون المدرسة؛ فهذا أفضل بكثير من البقاء دون تعليم، وهو أمر أساسي في حياة الأطفال".
ويتجلى دعمها في خطوات عملية ومستمرة، حيث توضح قائلة: "أتابع وضعه الدراسي بانتظام، وأتواصل مع مدير مدرسته للاطمئنان على حضوره في الفصول الدراسية. كما أحرص على أن يشعر بوجودي في حياته من خلال مساعدته في إنجاز واجباته المدرسية".
كما ألهمت تجربة صهيب شقيقته ملاك جهاد خلف، البالغة من العمر 14 عاماً.
تقول ملاك: "أنا سعيدة للغاية لأن أخي شجّعني على العودة إلى المدرسة بفضل حملة ’العودة إلى التعلم‘. حلمي هو أن أصبح محامية".
وقد انضمت إليهم أختهم الكبرى، طيبة جهاد خلف، البالغة من العمر 18 عاماً، في العودة إلى التعليم.
"أصرُّ على ألا أُمنع من العودة إلى المدرسة. يشجعني أخي على العودة إليها؛ فأنا أريد أن أصبح جراحاً وأخدم مجتمعي."
تحث "طيبة" الآن فتيات أخريات تركن مقاعد الدراسة على عدم الاستسلام، وتقول: "يجب على كل من تركت المدرسة أن تعود إليها؛ فلا شيء أفضل من الدراسة. التعليم أمر بالغ الأهمية، ولا ينبغي لأحد أن يبقى خارج المدرسة".
الوصول إلى كل طفل وفتح باب العودة
تُعد قصة "صهيب" واحدة من آلاف القصص التي تقف خلف حملة "العودة إلى التعلم"؛ وهي حملة تهدف إلى الوصول للأطفال خارج النظام التعليمي، وفهم الأسباب التي تبعدهم عن المدارس، ومساعدتهم على العودة إليها. فمنهم من لم يلتحق بالمدرسة قط، ومنهم من تركها لأن عائلاتهم لا تستطيع تحمل تكاليف النقل أو المستلزمات الدراسية، أو لأنهم اضطروا للعمل، أو بسبب النزوح الذي تسبب مراراً في انقطاع مسيرتهم التعليمية.
بدأت منظمة اليونيسف (UNICEF) بدعم هذه الحملة في محافظتي نينوى وكركوك عام 2022، ثم توسع نطاق التعاون ليشمل محافظة ميسان في عام 2023. وبفضل النجاح الذي حققته الحملة في مراحلها الأولى، تحولت في عام 2024 إلى مبادرة وطنية تغطي عموم العراق.
وفي عام 2024، نجحت الحملة في الوصول إلى أكثر من 260 ألف طفل خارج المدرسة، وساعدت أكثر من 100 ألف منهم على العودة إلى التعليم. أما في عام 2025، فقد تم الوصول إلى نحو 238 ألف طفل، ومساعدة 92,843 منهم على الالتحاق بالمدارس، أو الانضمام إلى برامج تعليمية أخرى، أو أداء الامتحانات خارج نظام المدارس التقليدي. وتواصل اليونيسف دعم وزارة التربية في تنفيذ هذه الحملة في جميع أنحاء العراق.
وتقول ليتيسيا بازي-فيل، نائبة ممثل اليونيسف للبرامج في العراق: "كل طفل يعود إلى الفصل الدراسي يحمل في طياته حلماً، ويمنحنا جميعاً سبباً للأمل. إن حملة ’العودة إلى التعلم‘ تساعد الأطفال في مختلف أنحاء العراق على استعادة متعة التعلم، والإيمان بقدراتهم، واتخاذ خطوات واثقة نحو مستقبل أكثر إشراقاً".
في المناطق التي شهدت عودة السكان، بما في ذلك الأنبار وصلاح الدين ونينوى، تقدم منظمة اليونيسف الدعم في مجالات تدريب المعلمين، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتنظيم فصول دراسية علاجية وتكميلية، بالإضافة إلى تقديم المساعدة الفنية للكوادر التعليمية. تساهم هذه الجهود مجتمعة في مساعدة الأطفال الذين فاتهم التعليم على استعادة مهاراتهم الأساسية ومواصلة مسيرتهم التعليمية، لا سيما في ظل الظروف التي تجعل الانتظام في الدراسة أمراً صعباً، مثل النزوح والفقر.
كل طفل في المدرسة، وكل حلم في متناول اليد
تُسهم البيانات الموثوقة في تحديد أماكن تواجد هؤلاء الأطفال ومعرفة العوائق التي تمنعهم من الالتحاق بالفصول الدراسية، مما يساعد صناع القرار على تقديم الدعم الذي يلبي احتياجاتهم الفعلية.
يقول وزير التربية، الدكتور عبد الكريم عبطان الجبوري: "تهدف حملة ’العودة إلى التعلم‘ إلى إعادة الأطفال غير الملتحقين بالمدارس أو الذين تسربوا منها إلى مقاعد الدراسة؛ فذلك يمثل بناءً للمستقبل، ويعد حقاً أصيلاً من حقوق أطفالنا في التعليم والحياة الكريمة".
جعلت الحكومة العراقية من معالجة ظاهرة التسرب من المدارس مسؤولية وطنية، تتطلب تضافر جهود مؤسسات الدولة والشركاء الدوليين والمجتمع المدني. وفي إطار تعاونها مع هؤلاء الشركاء، تعمل وزارة التربية على إيجاد مسارات للعودة إلى التعليم، وتوسيع الفرص المتاحة للأطفال والمراهقين والشباب، وإزالة العقبات التي حالت دون استمرارهم في الدراسة.
وتقول الدكتورة ابتهال الزيدي، مستشارة رئيس الوزراء للشؤون التربوية: "إن مكافحة التسرب من المدارس لا تقتصر على التعامل مع الأرقام فحسب، بل هي استثمار في رأس المال البشري. فكل طفل يعود إلى مقاعد الدراسة يمثل فرصة لبناء أسرة أكثر استقراراً، ومجتمع أكثر كفاءة، واقتصاد أقوى، ودولة أكثر أمناً وتطوراً، وشباباً أكثر ثقة بأنفسهم".
عاد طفلٌ واحدٌ إلى المدرسة، وانطلقت ثلاثة أحلامٍ نحو التحقق، بينما تتطلع عائلةٌ بأكملها إلى المستقبل بعين الأمل.
يدعم كلٌّ من الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الاوروبي للمساعدات الإنسانية، وبنك التنمية الألماني وحكومة هولندا، منظمة اليونيسف لتقديم المساعدات التعليمية في جميع أنحاء العراق، وتوفير الدعم الفني، وتعزيز نظم التعليم.