ترسم السلام بدل الحرب
بعد سنوات من الفقدان والنزوح، يبدأ شقيقان في الفلوجة باستعادة طفولتهما من جديد، من خلال التعلم واللعب وبوادر أمل تتشكل تدريجياً.
- English
- العربية
تغطي رسومات ملوّنة جدران الصف، أشجار وبيوت وسماء زرقاء واسعة. في الخارج، تتدحرج كرة قدم بينما تملأ ضحكات الأطفال المكان.
بالنسبة إلى "رنا" وشقيقها الأصغر "آدم" في الفلوجة، لم تكن هذه الأصوات جزءاً من حياتهم في السابق.
لأكثر من عامين، انقطعا عن المدرسة. كان الخروج من المنزل محفوفاً بالخوف، وكل صباح يحمل معه شعوراً بعدم اليقين.
تسترجع شقيقتهما الكبرى "نور" تلك المرحلة قائلة:
"لم نكن نعرف إن كنا سنبقى على قيد الحياة. كانت أياماً صعبة جداً."
عاشت العائلة نزوحاً متكرراً، وتكبدت خسائر قاسية. خلال فترة النزاع، فقدوا أقارب أمام أعينهم، من بينهم شقيقهم البالغ من العمر خمس سنوات. كما فقدوا والدتهم. ومنذ ذلك الحين، أصبح الحزن جزءاً من حياتهم اليومية.
امتدت رحلتهم عبر محطات صعبة، بدأت من مخيم الهول في سوريا، ثم إلى مركز الأمل للتأهيل في العراق، قبل أن يتمكنوا أخيراً من العودة إلى منزلهم في الفلوجة للعيش مع والدهم وأفراد عائلتهم الممتدة.
حتى اليوم، لا تزال رنا تشعر أحياناً بالقلق من المستقبل، وتخشى أن تعود الحرب من جديد.
عند عودتهم إلى الفلوجة، كان الأطفال لا يزالون خارج المدرسة، ويفتقرون إلى الوثائق المدنية الأساسية. ومن دون هوية قانونية، يصبح الوصول إلى التعليم والخدمات أمراً بالغ الصعوبة.
بدأ التغيير عندما التحقوا بمركز مدعوم من اليونيسف في الفلوجة، بتمويل من حكومة كندا. يقدم المركز خدمات متكاملة للأطفال المتأثرين بالنزوح، تشمل التعليم المعجل، والدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدة في استصدار الوثائق الرسمية.
في الداخل، تزيّن أعمال الأطفال اليدوية الجدران. وفي الخارج، توفر حديقة صغيرة فيها مراجيح وزحليقة مساحة للعب. تمتزج رائحة الورق والألوان في الصفوف مع أصوات الأطفال وهم يتعلمون معاً.
تتذكر رنا أول يوم عادت فيه إلى المدرسة.
"شعرت وكأن الحياة عادت إليّ من جديد"، تقول.
اختارت أجمل ملابس لديها في ذلك الصباح. في البداية، كانت تخشى ألا تجد صديقات، لكنها اليوم تقول إن لديها الكثير منهن.
وتضيف: "آتي إلى هذا المركز لأنني أضحك هنا وأتعلم."
بعد انقطاع دام أكثر من عامين، التحقت رنا بصفوف التعليم المعجل التي تساعد الأطفال على تعويض ما فاتهم والعودة إلى التعليم النظامي. ومع مرور الوقت، بدأ الإيقاع اليومي يعود إلى حياتها، وحلّ النظام محل القلق.
أما آدم، فتظهر ملامح تعافيه بطريقة مختلفة. يقف بثقة كحارس مرمى، ويمارس اللعب مع الأطفال الآخرين بحماس. تقول نور إنه كان أكثر انطواءً في السابق، لكنه اليوم أصبح أكثر تفاعلاً وثقة.
تؤكد معلمتهما أن التغيير واضح.
"في البداية، كانت رسوماتهم مليئة بمشاهد الحرب"، تقول. "أما الآن، فهم يرسمون السلام."
تدرك أسماء، التي تعمل في المركز مع الشريك المنفذ لليونيسف "تير دي زوم إيطاليا"، هذا التحول عن قرب. فهي من أبناء المنطقة، وعاشت تجربة النزوح خلال سنوات عدم الاستقرار، وهي أيضاً أم.
تقول: "أعرف تماماً ماذا يعني أن يفقد الإنسان إحساسه بالأمان. عندما أجلس مع هؤلاء الأطفال، لا أرى طلاباً فقط، بل أرى أطفالاً يحملون ذكريات ثقيلة."
وتضيف: "كأم، أنظر إليهم وأفكر أن هذا قد يكون طفلي. كل يوم أرى تغيراً حقيقياً. يتحدثون أكثر، يضحكون أكثر، ويبدأون باستعادة ثقتهم. هكذا يبدأ التعافي."
لم يقتصر الأثر على الصفوف الدراسية. فقد ساعد الأخصائيون الاجتماعيون العائلة في الحصول على الوثائق الرسمية، ما أعاد لهم إمكانية الوصول إلى الخدمات وخفف من التحديات الإدارية. كما وفرت جلسات الدعم النفسي مساحة للتعبير عن التجارب الصعبة وبناء الثقة من جديد.
تقول نور:
"حياتنا كانت صعبة جداً. هذا المركز خفف عنا الكثير. ساعدونا في إصدار الوثائق، وأعادوا الأطفال إلى المدرسة. أتمنى أن تعود عائلتنا كما كانت، لكن اليوم، على الأقل، هناك أمل."
الألم لم يختفِ، ولا يزال الأطفال يفتقدون شقيقهم ووالدتهم. المستقبل لا يخلو من القلق، لكن ملامح الاستقرار بدأت تظهر.
ينامون بشكل أفضل الآن. كوّنوا صداقات. وأحلامهم بدأت تتغير.
تحلم رنا بأن تكبر وتصبح شخصاً قادراً على إحداث فرق إيجابي. أما آدم، فيحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم محترفاً، وحارس مرمى.
الطفولة لا تعود دفعة واحدة، بل تعود تدريجياً، في تفاصيل الحياة اليومية، في الصداقات، وفي رسمة جديدة.
اليوم، عندما تمسك رنا أقلام التلوين، لم تعد ترسم دبابات أو انفجارات.
بل ترسم السلام.
وبدعم متواصل من شركاء مثل حكومة كندا، تساهم مراكز كهذا المركز في الفلوجة في تمكين الأطفال من استعادة حقهم في التعليم والحماية، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وأملاً.
تم تغيير الأسماء حفاظاً على خصوصية الأطفال وعائلتهم.