المعرفة والأمل: تدريب جيل جديد من العاملين في مجال الصحة والتغذية في اليمن
تغذية الأمهات، اليافعات، الرضع، وصغار الأطفال: برنامج لسد الفجوة بين الخبرة الطبية والرعاية الصحية المجتمعية
- English
- العربية
في اليمن، حيث يعاني ما يقارب نصف الأطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية المزمن، أطلقت اليونيسف – بدعم من الحكومة الألمانية عبر البنك الألماني للتنمية KfW – مبادرة تغذية الأمهات، اليافعات، الرضع، وصغار الأطفال (MAIYCN).
وقد صُمم هذا البرنامج لسد الفجوة بين الخبرة الطبية والرعاية الصحية المجتمعية، ليصبح شريان حياة للعائلات في بلد أنهكه الصراع وانعدام الأمن الغذائي.
البداية من الجذور
يقوم برنامج تغذية الأمهات، اليافعات، الرضع، وصغار الأطفالعلى مبدأ بسيط لكنه قوي: صحة الطفل تبدأ قبل الولادة بوقت طويل، من خلال صحة ورفاه الفتيات المراهقات والأمهات.
يقول صخر محسن، وهو أحد العاملين الصحيين من محافظة لحج: “لكي نكسر حلقة سوء التغذية، يجب أن نبدأ بالفتاة، ثم المرأة الحامل، ثم الأم المرضعة، وأخيراً الطفل. إذا قمنا بحماية هذا الطفلة الصغيرة وضمان حصولها على التغذية المناسبة، فسوف تنمو بصحة جيدة، وعندما تصبح أماً في المستقبل ستنجب أطفالاً أصحاء.”
تصحيح المفاهيم الخاطئة بالمعرفة
يتلقى العاملون الصحيون المجتمعيون تدريباً مكثفاً، بينما يشارك الأطباء في ورش عمل تربط العلوم الطبية بالمنظور الثقافي والديني. وتهدف هذه الجلسات إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة التي استمرت لأجيال.
فعلى سبيل المثال، كانت العديد من الأسر تعتقد أن المواليد الجدد يحتاجون إلى الماء أو الجلوكوز خلال الأيام الأولى من حياتهم، أو أن اللبأ (الحليب الأصفر) يجب التخلص منه.
تؤكد عبير علي، مديرة إدارة التمريض في مكتب الصحة بمحافظة لحج، على أهمية تصحيح هذه الممارسات قائلة:“الهدف الرئيسي من الدورة هو تشجيع الرضاعة الطبيعية الحصرية منذ لحظة الولادة. الإرشاد والتوعية ينقذان الأرواح، لأن الأطفال غالباً ما يموتون بسبب ممارسات خاطئة ومعتقدات غير صحيحة.”
تمكين العاملين الصحيين
يوفر التدريب للعاملين الصحيين المهارات التقنية إلى جانب مهارات التواصل مع المجتمع.
تقول ربى أحمد، وهي قابلة تبلغ من العمر 26 عاماً: "لم نكن نعرف من قبل عن مرحلة الألف يوم الأولى. ومن خلال هذا التدريب تعلمنا أهميتها للأمهات والأطفال. إذا استطعنا إيصال هذه الرسائل بشكل فعال، يمكننا تقليل معدلات سوء التغذية."
وتشير شيرين صلاح، وهي مدربة في مستشفى الواحات، إلى التحول من بروتوكولات تغذية الرضع وصغار الأطفال (IYCF) القديمة إلى النهج الأكثر شمولية وهو تغذية الأمهات، اليافعات، الرضع، وصغار الأطفال المعروف ب (MAIYCN).
ولقد شهدت حالات نجحت فيها الأمهات في استعادة الرضاعة الطبيعية من خلال عملية إعادة الإرضاع، مما أدى إلى أطفال أكثر صحة وثقة أكبر لدى الأسر.
رؤية جديدة للأطباء
حتى الأطباء ذوو الخبرة يصفون هذه الورش بأنها تجربة تحولية. تقول الدكتورة سحر عبدالسلام، أخصائية النساء والولادة في مستشفى ابن خلدون: “لم يعد الهدف مجرد تقليل نسبة حالات سوء التغذية. مع هذه المعرفة الجديدة، نأمل أن نضع حداً له.”
عندما لا يكون الفشل خياراً
يعمل البرنامج في ظل أزمة غذائية حادة في اليمن، حيث أدى التضخم وتعطل التجارة إلى جعل الغذاء الأساسي بعيد المنال لكثير من الأسر. وفي هذا السياق، لا تعد الرضاعة الطبيعية خياراً صحيًا فحسب، بل ضرورة اقتصادية أيضاً.
توضح نُهى بن سلمان، طبيبة أطفال والمشرفة الرئيسية، حول التحول من العلاج إلى الوقاية: “لسنوات طويلة كان يتم علاج الأطفال فقط بعد أن يصبحوا مصابين بسوء التغذية الحاد. الان يجب علينا أن نعزز الوقاية من خلال رفع وعي الأمهات وتشجيع الرضاعة الطبيعية بدلاً من الاعتماد على الحليب الصناعي.”
فمن خلال تعزيز الرضاعة الطبيعية وتعليم الأسر كيفية استخدام الأطعمة المحلية المتوفرة لإعداد الوجبات التكميلية، يقدم البرنامج حلولاً عملية ويعيد الأمل من جديد.
بناء مستقبل أكثر صحة
مع دخول الصراع في اليمن عامه الحادي عشر، أصبح بقاء أصغر مواطنيه مرتبطاً ببقاء الأمة نفسها. يقول صخر محسن: “إن الدعم المستمر من اليونيسف والحكومة الألمانية ضروري لضمان صحة الأجيال القادمة.”
وبالنسبة للأمهات والفتيات اليافعات في لحج، فإن برنامج MAIYCN ليس مجرد تدريب طبي، بل فرصة للأطفال لينموا ويتعلموا ويساهموا في بناء يمن لا تُعرّفه الأزمات، بل يعرف الصحة والأمل. من خلال هذه المبادرة، يتم تنمية هذا الأمل أماً بعد أم، طفلاً بعد طفل، ومجتمعاً بعد مجتمع.