معًا أقوى: الأمهات والبنات في الأردن يعِدن كتابة قصة زواج الأطفال
من خلال شراكة بين اليونيسف ومؤسسة نهر الأردن وبدعم من حكومة قبرص
- English
- العربية
في إحدى قاعات التدريب في عمّان، تجلس أسيل، البالغة من العمر 12 عامًا، إلى جانب والدتها أم محمد، وهما تعملان معًا بحماس على أحد الأنشطة. ومن حولهما، تنهمك أمهات وبنات أخريات في النقاش وتبادل الأفكار والمشاركة في التمارين. هناك شيء ما يتغيّر في العلاقة بينهن.
هذا هو جوهر برنامج "معًا أقوى"، الذي تنفذه اليونيسف بالشراكة مع مؤسسة نهر الأردن وبدعم من حكومة قبرص. ويهدف البرنامج إلى الحد من زواج الأطفال بين الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 12 و17 عامًا، من خلال تعزيز العلاقة الأكثر قدرة على حمايتهن: العلاقة بين الأم وابنتها.
لماذا الأمهات والبنات معًا؟
أمضت إسراء، وهي أخصائية حماية الطفل في مؤسسة نهر الأردن، سنوات في تطوير هذا النهج. فقد بدأ البرنامج عام 2019 بتدريبات منفصلة للأمهات والفتيات.
وتقول:
"كانت هذه التدريبات مفيدة، لكننا لاحظنا أن الدروس كانت تُنسى بسهولة بمجرد عودة كل مجموعة إلى منزلها بمفردها."
لذلك، أُعيد تصميم البرنامج ليُنفذ على مدار أربعة أيام؛ حيث تتلقى الأمهات والبنات المحتوى نفسه، ولكن بما يتناسب مع الفئة العمرية لكل منهما، ثم يجتمعن في اليوم الرابع لتطبيق ما تعلمنه معًا وتعزيز أثره.
UNICEF/El-Noaimi
وتوضح إسراء أن الفكرة الأساسية للبرنامج هي أن «الضغوط الاجتماعية تحتاج إلى دعم اجتماعي». فعندما تكون الضغوط المجتمعية كبيرة، يصعب على الفتاة أو الأم مواجهتها وحدها. لكن امتلاكهما المعرفة نفسها، القائمة على الأدلة العلمية، ومعرفتهما بالجهات التي يمكن اللجوء إليها، يساعدهما على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
وتشير إسراء إلى أن هذه الضغوط تنبع غالبًا من الأعراف الاجتماعية؛ إذ يُنظر إلى الزواج أحيانًا باعتباره "حلًا سريعًا"، أو فرصة قد تضيع، أو وسيلة لحماية الفتاة من عالم يراه الأهل أكثر خطورة. كما تسهم الضائقة الاقتصادية، وضعف التحصيل الدراسي، وضعف التواصل بين الأم وابنتها في زيادة احتمالية الزواج المبكر.
ولهذا يتناول البرنامج هذه القضايا بشكل مباشر، من خلال توعية المشاركات بالمخاطر الصحية للزواج المبكر، والتشريعات الأردنية ذات الصلة، إضافة إلى بناء لغة مشتركة تساعد الأمهات والبنات على فهم بعضهن البعض بشكل أفضل
هناء: "كانت المدربة تتحدث إليّ كأخت"
هناء موفق الزعبي، 39 عاماً، أم لأربعة أطفال تعمل في مجال الإصلاح الأسري وتدير مكتبها الخاص للمحاماة، لم تكن تتوقع أن يضيف لها البرنامج الكثير. فقد افترضت أنه سيكرر ما تعرفه بالفعل من خلال خبرتها المهنية. تتذكر هناء قائلة:
"منذ الجلسة الأولى، بدأت نظرتي تتغير. شعرت وكأن المدربة كانت تتحدث إليّ كأخت أو كأم قلقة على ابنتها، وليس كمحاضِرة تقدم معلومات نظرية مجردة."
ومن بين أكثر الأمور التي أثارت دهشتها، كان تعرّفها على علم دماغ المراهقين؛ إذ إن مناطق اتخاذ القرار في الدماغ تستمر في التطور لفترة طويلة بعد البلوغ، وأن اختيارات المراهقين غالباً ما تكون مدفوعة بالعاطفة أكثر من التفكير المنطقي. وتقول:
"المراهقون ليسوا مجرد أطفال ينبغي للكبار اتخاذ جميع القرارات نيابة عنهم. إنهم أفراد لديهم مشاعر واحتياجات حقيقية تستحق الفهم والاحترام."
نقلت هناء هذا الفهم إلى منزلها وابنتها أريام، التي حضرت البرنامج إلى جانبها. وتقول هناء:
"أصبحت مستمعة أفضل، وأكثر التزاماً ببناء تواصل مفتوح وعلاقة قائمة على الثقة."
وعلى الصعيد المهني، كانت هناء تعتقد سابقاً أن الزواج المبكر قد يكون مبرراً في بعض الحالات؛ إلا أن البرنامج قدّم لها، بحسب تعبيرها، أدلة واضحة حول المخاطر الجسدية والنفسية والمعرفية المرتبطة به، ورسّخ لديها قناعة بأن الاستعداد للزواج يرتبط بالقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وليس فقط بالنضج الجسدي.
واليوم، بدأت هناء في نقل هذه الرسالة إلى زوجها وأطفالها، وإلى الأسر التي تلتقي بها من خلال عملها.
"قطعت على نفسي عهداً بأن أحمل هذه الرسالة إلى كل مكان أمضي إليه من الآن فصاعداً."
أم محمد وأسيل: تعلّم لغة بعضهما البعض
بالنسبة لأم محمد، وهي أم لأربعة أطفال، جاء البرنامج في الوقت المناسب؛ فقد منحتها العطلة المدرسية هي وابنتها البالغة من العمر 13 عاماً، أسيل، وقتاً متواصلاً لقضائه معاً.
UNICEF
تقول أم محمد:
"كان أجمل ما في التجربة أنني شاركتها مع أسيل. كان الأمر مهماً لكلينا، لأننا أمضينا وقتاً ثميناً معاً."
إن تعرّفها على أن مناطق اتخاذ القرار في الدماغ تستمر في النضج حتى سن الثامنة عشرة وما بعدها، غيّر طريقة فهمها لتصرفات ابنتها. وتقول:
"أدركت أن الكثير من القرارات التي يتخذها المراهقون تكون مدفوعة بالعواطف أكثر من الوعي والنضج."
لكن الدرس الذي بقي معها أكثر من غيره كان عملياً:
"أحياناً يكون الفرق بين طلب مباشر وعبارة لطيفة مثل «من فضلك» كبيراً جداً. يحتاج المراهقون إلى الاحترام والاهتمام والشعور بأن أصواتهم مسموعة."
وشعرت أسيل أيضاً بهذا التغيير. وتقول:
"تعلمت كيف أتحدث مع أمي، وكيف أختار الوقت المناسب لأطلب منها شيئاً. أشعر الآن بأنها تستمع إليّ وتهتم بما أقوله."
غيّر البرنامج أيضاً طريقة تفكير أم محمد تجاه الزواج المبكر. وتقول:
"تحتاج الفتاة إلى الوقت لتنضج وتفهم نفسها واحتياجاتها."
وعندما سُئلت كل منهما عن الأخرى، أجابت الأم وابنتها بشكل متشابه للغاية:
تقول أسيل: "إنها أجمل شيء في حياتي."
وتقول والدتها: "أسيل هي أفضل شيء في العالم."
أثر يمتد ليصل إلى الأسرة بأكملها
شهدت إسراء تكرار هذا النمط في مختلف محافظات الأردن. وتقول إن إحدى قصص النجاح التي بقيت عالقة في ذاكرتها هي قصة خاطبة تقليدية، حيث تعهدت في اليوم الأخير من البرنامج بألا ترتّب زواج أي طفلة مرة أخرى، وأن تدافع عن مناهضة زواج الأطفال كلما واجهت هذه الممارسة.
يركّز البرنامج على وضع الأمهات والبنات في قلب الحوار، لكن الواجبات المنزلية اليومية تشرك الآباء والأزواج أيضاً في النقاش، مما يساعد على ترسيخ الأفكار داخل الأسرة بأكملها. كما تنجح بعض الأمهات في إشراك أبنائهن أيضاً.
"أشعر بالفخر لكوني جزءاً من هذا العمل، ودائماً ما أتأثر بشكل كبير بالعلاقة التي تجمع الأمهات ببناتهن."
وتضيف اسراء:
"دائماً ما تلمسني بشكل كبير علاقة الأمهات ببناتهن."
على مدى العقد الماضي، انخفضت نسبة زواج الأطفال في الأردن بشكل مطّرد، من 13.8% عام 2015 إلى 8% عام 2024. ورغم هذا الانخفاض، لا يزال زواج الأطفال .يشكل تحدياً خطيراً؛ إذ تم تسجيل 81,884 حالة زواج لأطفال دون سن 18 عاماً بين عامي 2015 و2024، منها 5,085 حالة في عام 2024 وحده