التغيير يبدأ من المجتمع
"كل طفل نصل إليه، سواء بلقاح، أو كيس من الأغذية العلاجية، أو جلسة في مساحة صديقة للطفل، أو فرصة للتعلّم في المدرسة، هو خطوة نحو مستقبل أفضل،" نسرين ابن عوف
- English
- العربية
في وقت متأخر من مساء يوم الاثنين، كانت نسرين ابن عوف، مسؤولة التغيير الاجتماعي والسلوكي في اليونيسف، تُجري الاستعدادات النهائية لمهمة أخرى إلى مدينة أبو جبيهة.
تقع مدينة أبو جبيهة في ولاية جنوب كردفان، وهي من أكثر المناطق التي يصعب الوصول إليها في السودان. تستغرق الرحلة إليها يومين على الأقل، عبر طرق شديدة الوعورة تكاد تصبح غير سالكة خلال موسم الأمطار. ويضيف استمرار انعدام الأمن على طول الطريق مزيداً من المخاطر.
منذ اندلاع النزاع ، نزحت آلاف الأسر من دارفور ومناطق أخرى متأثرة بالنزاع في جميع أنحاء كردفان إلى هذه المنطقة النائية بحثاً عن الأمان. ولا يزال إيصال الخدمات والإمدادات المنقذة للحياة إليهم أولوية بالنسبة لليونيسف .
بالنسبة لنسرين، تُعدّ الرحلة الطويلة والشاقة جزءًا لا يتجزأ من التزامها بالوصول إلى الأطفال والأسر، مهما بعدت المسافات.
وُلدت نسرين في شمال كردفان، وبدأت مسيرتها في العمل الإنساني قبل 15 عاماً في جنوب كردفان، كمتطوعةً مع الأمم المتحدة لدعم جهودالعمل المجتمعي، والتي كانت تعرف آنذاك بـ"التواصل من أجل التنمية". وفي بعض أكثر المناطق صعوبة على الحدود بين السودان وجنوب السودان، كُلّفت بالعمل مع المجتمعات لمساعدتها على الاستجابة لتفشي الكوليرا.
على مر السنين، تولّت نسرين أدواراً مختلفة داخل اليونيسف. لكن قناعة واحدة ظلت راسخة لديها: المجتمعات نفسها تملك القدرة على قيادة التغيير الذي تطمح إليه.
اليوم، مع استمرار النزاع وما سببه من تعطيل لقنوات الاتصال التقليدية وصعوبة الوصول إلى المعلومات، أصبحت هذه القناعة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
في الخطوط الأمامية، تعمل نسرين مباشرة مع الأسر والمجتمعات، لمساعدتهم في الحصول على المعلومات التي يمكن أن تحمي صحتهم وسلامتهم.
تقول نسرين:
"يمكن الوقاية من معظم الأمراض إذا تبنّت المجتمعات ممارسات بسيطة، مثل غسل اليدين."
"لكنهم بحاجة إلى المعرفة.. هنا تكمن قوة التوعية."
فعندما يمتلك الآباء والأمهات ومقدمو الرعاية المعلومات والمعرفة الصحيحة، يمكنهم احداث تغييرات لحماية أطفالهم، مثل غسل اليدين، واستخدام المراحيض، والنوم تحت الناموسيات، وارضاع أطفالهم رضاعة الطبيعية.
"الأمر يتعلق بالسلوك والمواقف."
مسيرة مهنية أساسها إحداث الفرق
طول مسيرتها المهنية، ساهمت نسرين في الاستجابة لتفشي شلل الأطفال والكوليرا والدفتيريا وغيرها من الأمراض.
وبالنسبة لها، لا يُقاس أثر هذا العمل بعدد الرسائل التي تصل إلى الناس فحسب، بل بالتغيير الذي تراها داخل المجتمعات.
"عندما أرى تغييراً إيجابياً في المجتمعات بعد تبنيها ممارسات وسلوكيات بسيطة ولكنها صحية، يُلهمني ذلك لبذل المزيد من الجهد."
"وأثناء تفشي الأمراض، عندما يبدأ عدد الحالات والوفيات بالانخفاض، أعرف أن عملنا يُحدث فرقاً."
لكن مهمة ميدانية واحدة إلى أبو جبيهة في عام 2025 تركت في نفسها أثراً لا يُنسى.
الرحلة التي لا تنسى
في عام 2025، نظمت اليونيسف أول مهمة لها إلى أبو جبيهة منذ اندلاع النزاع في عام 2023. ولما يقرب من عامين، انقطعت الخدمات الأساسية عن الأطفال والأسر في هذه المنطقة.
انضمت نسرين إلى المهمة، وكانت واحدة من امرأتين فقط ضمن الفريق. كانت الرحلة شاقة، لكن ما كان ينتظرهم في وجهتهم كان أشد قسوة.
"لم أرَ شيئاً كهذا طوال مسيرتي المهنية." قالت نسرين
وجد الفريق أمهات وأطفالاً منهكين ويعانون من سوء تغذية حاد، ينامون في العراء. كان الجو باردًا، وقد بدأ موسم الأمطار.بدأت رحلتهم بحثاً عن الأمان من كادقلي، مروراً عبر الحدود إلى جنوب السودان. وبعد شهور قضوها في الطريق، وجدوا أخيراً ملاذاً في أبو جبيهة.
لم تطلب الأمهات سوى الأساسيات: طعام لأطفالهن وشيء يحميهم من برد الأيام والليالي. وبصفتها أماً، لا تزال نسرين تتذكر كيف أعطت وشاحها لإحدى الأمهات التي كان طفلها يرتجف من شدة البرد.
وتتذكر أيضاً أماً أخرى كان طفلها مريضاً ويعاني من سوء التغذية، واماً فقدت للتو طفلاً آخر.
كان الجوع يفتك بأطفالها واحداً تلو الآخر.
احتضنتها وبكينا معاً." "ثم سألتها: كيف يمكنني أن أساعدك؟"
بالنسبة لنسرين، لم تكن المهمة مجرد الوصول إلى مجتمع ناءٍ، بل كانت فرصة للاستماع - للاستماع مباشرة إلى العائلات حول ما يحتاجونه بشدة - واستخدام هذا الفهم للمساعدة في صياغة الدعم الذي تقدمه اليونيسف وشركاؤها.
لا تزال القصص والوجوه التي التقتها عالقة في ذاكرتها حتى اليوم.
وهي أيضاً أحد الأسباب التي دفعت نسرين، رغم نزوحها بسبب النزاع وانفصالها عن طفليها الصغيرين، إلى اختيار العودة إلى الخطوط الأمامية.
"هذه المجتمعات بعيدة جداً عن الخدمات. ومن دون دعم منظمات مثل اليونيسف، تصبح حياتهم على المحك."
الوصول إلى أكثر المناطق صعوبة
بينما تستعد نسرين للعودة إلى أبو جبيهة، تنتظرها مرة أخرى ساعات طويلة على الطريق، وتواصلاً محدوداً، وأياماً بعيداً عن طفليها وعن الكثير مما يجري في العالم .
لكنها تؤمن بأن هذه التضحية تستحق العناء.
إيمانها الراسخ بأن الأطفال سيساهمون يومًا ما في بناء مستقبل السودان لا يزال القوة الدافعة وراء عملها الإنساني وعزمها على الوصول إلى العائلات حتى في أقصى المناطق النائية.تقول نسرين:
"كل طفل نصل إليه، سواء بلقاح، أو كيس من الأغذية العلاجية، أو جلسة في مساحة صديقة للطفل، أو فرصة للتعلّم في المدرسة، هو خطوة نحو مستقبل أفضل."
"سيصبح هؤلاء الأطفال يوماً ما أطباء ومعلمين ومهندسين ومعماريين، وسيسهمون في إعادة بناء بلدنا ورسم مستقبله."
"ولهذا أحب اليونيسف وأعمل من أجل رسالتها."