ناس الفاشر

النساء اللواتي يقفن متضامنات مع الأطفال والأسر النازحة.

بقلم بروسكوڤيا ناكيبووكا
Sudan. A nutritionist screens children at a health centre in Central Darfur.
UNICEF/UNI939221/Jamal
19 شباط / فبراير 2026

على مدى أكثر من 1,000 يوم، تسببت الحرب في السودان في معاناة هائلة لملايين الأطفال والأسر.

في مختلف أنحاء السودان، أُجبر ما لا يقل عن 9.5 مليون شخص إلى ترك منازلهم، فيما يعتمد أكثر من نصف السكان اليوم على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة — مما جعل السودان أكبر أزمة نزوح أطفال وأكبر حالة طوارئ إنسانية في العالم.

في مدينة الفاشر بإقليم دارفور في السودان، أدى تصاعد أعمال العنف، وانهيار الخدمات الأساسية، والظروف التي لا يمكن تصورها، إلى إجبار العديد من الأسر على الفرار.

وقد وجد كثيرون ملاذاً في بلدات مثل طويلة وقولو وروكرو، حيث وصلوا منهكين وجوعى ويعانون من سوء التغذية بعد أيام من السير على الطرقات.

لكن رغم معاناتهم الشخصية وعدم اليقين الذي يحيط بهم، استقبلهم العاملون في الخطوط الأمامية، وموظفو اليونيسف وشركاؤها، النازحين بتعاطف ورعاية استثنائيين — يتطوعون، ويعالجون الجرحى، ويقدمون الدعم النفسي للمتضررين، ويوفرون الرعاية الطبة.

Embedded video follows
UNICEF

"من الصعب أن نصدق أنه وسط كل هذا الألم، ما يزال هناك جمال وأمل… يسكنان في أناس أعادوا تعريف القوة واللطف بالنسبة لي."

يدعم الأمهات والآباء غيرهم من الآباء الذين لا يجدون من يلجأون إليه طلباً للمساندة. ويمسكون بأيدي الأطفال غير المصحوبين بذويهم، ويحتضنونهم كأبنائهم بعد أن فُصلوا عن أحبّائهم. وتتقاسم الجدّات والأمهات القليل الذي يملكنه حتى تتمكن أسرة أخرى من البقاء على قيد الحياة.

هذه الأمثلة اليومية لأسر نازحة تساند غيرها رغم ظروفها القاسية تعكس قدراً هائلاً من اللطف والتضامن والصمود — وتذكّرنا بأن الإنسانية تبقى حاضرة حتى في زمن الحرب.

وبينما تستمر الأسر في البحث عن الأمان بعيداً عن العنف في ديارهم، تحدثت اليونيسف إلى خمسة من هؤلاء الأشخاص:
 

فضيلة


سعت العديد من الأسر الفارّة من الفاشر إلى الاحتماء في قولو بوسط دارفور. في مرفق صحي وتغذوي، تحمل فضيلة، وهي أخصائية التغذية، رضيعها على أحد ذراعيها بينما تُقدّم الخدمات للأمهات والأطفال المنتظرين للحصول على الخدمات المنقذة للحياة.
كل يوم، تسير فضيلة لأكثر من 45 دقيقة للوصول إلى المرفق وتقديم الرعاية التغذوية والدعم للأسر النازحة.

Sudan. Fadeela, who is wearing a red headscarf, smiles at the camera.

UNICEF/UNI939216/Jamal

وبصفتها أماً أيضاً، تُصرّ فضيلة على الاستمرار في دعم الأمهات اللواتي يعملن على رعاية أطفالهن، رغم التحديات الكبيرة.

"أفكر دائماً… ماذا لو كانت ابنتي هي التي تحتاج إلى هذه المساعدة المنقذة للحياة؟"

 

علوية


فرت علوية، وهي معلمة وأم لأربعة أطفال، من أعمال العنف في الفاشر، ووصلت إلى روكرو ولا تملك سوى القليل من المتاع. عاشت الأسرة في الشارع قبل أن تجد مأوى داخل مدرسة. واليوم، تُدرّس علوية في المدرسة نهاراً، وتنام فيها ليلاً.

"أنام داخل الفصل الدراسي وأخرج في الصباح الباكر لأشرب الشاي، وأبدّل ملابسي، ثم أعود للتدريس".


تتقاسم علوية مع الأطفال والأسر من حولها مشاق النزوح اليومية. "إنه أمر مؤلم لنا جميعاً، لكننا نواسي بعضنا بعضاً."

Sudan. Alawiya sits in a classroom at a school in Central Darfur.

UNICEF/UNI939557/Jamal

لطيفة


تعرضت لطيفة للنزوح مرات متعددة قبل وصولها إلى طويلة قبل أربعة أشهر. منذ ذلك الحين، تطوّعت في مساحة تعليم آمنة تدعم الأطفال المتأثرين بالنزاع.

كل يوم، ترى لطيفة الخوف والصدمة والفقدان والألم في عيون الأطفال الذين تساندهم. لكنها تجد ما يحفزها وهو إدراكها أن دعمها اليومي يسهم في رحلة تعافيهم.

Sudan. Latifa is wearing a headscarf as she stands in a safe learning space established by UNICEF in Tawila, North Darfur.

UNICEF/UNI941833/Jamal

 الوقت القصير الذي يقضونه في مساحة التعلّم الآمنة يمنحهم الفرح والسعادة.
"لديهم الكثير من الذكريات المرتبطة بالعنف. إنهم بحاجة إلى الدعم وإلى أشياء تذكّرهم بطفولتهم، مثل الألعاب والدمى. يتغيرون تماماً بعد مجيئهم إلى هنا."

وبعد أن عاشت لطيفة تجربة الفقدان والنزوح، فهي تدرك ألم الأطفال، وتعاهد نفسها على توفير مساحة آمنة يمكنهم فيها المشاركة واللعب وبناء روابط جديدة، والبدء في رحلة التعافي.

 

أمينة


تروي أمينة تفاصيل رحلتها القاسية في النزوح.

"توفي العديد من الأطفال في الطريق. التقيت بأم حامل لديها أربعة أطفال. وصلت ولم يبقَ معها سوى الجنين الذي تحمله في بطنها".

هذا المشهد دفع أمينة إلى مواصلة عملها كقابلة لمساعدة الأمهات على الولادة بأمان.
"لا يزال لدي ما أقدمه رغم أنني فقدت كل شيء".

في المرفق الصحي، تقدم أمينة خدمات رعاية الحوامل والمرضعات، وتدعم الولادات الآمنة، وتنظم جلسات توعية تغذوية، وتحرص على حصول النساء الحوامل والمرضعات على الأدوية والفيتامينات الأساسية.

Sudan.  Amina, wearing a green headscarf, looks toward the camera at a UNICEF-supported health facility in Tawila.

UNICEF/UNI941778/Jamal

ومع ذلك، يساورها القلق بشأن الظروف في المخيمات التي يعدن إليها.
"الملاجئ المكتظة والليالي الباردة تشكل مخاطر جسيمة على المواليد الجدد."

وفي نهاية كل يوم، تعود أمينة سيراً إلى أطفالها، وتتقاسم معهم حالة عدم اليقين نفسها التي تعيشها الأسر التي تخدمها. ومع ذلك، تعود كل صباح. وسط الفقدان والنزوح، لا تقتصر مهمتها على توليد الأطفال، بل تشمل أيضاً تقديم الرعاية والأمل.

 

مهلة


تعمل مهلة كأخصائية اجتماعية في مساحة آمنة مخصصة لتقديم الخدمات المتخصصة للنساء والفتيات المتأثرات بالنزاع.

وبصفتها نازحة، شهدت مهلة وعاشت المعاناة اليومية التي تتحملها الأسر النازحة.

Sudan. Mahla speaks at a session at a women and girls' safe space established by UNICEF in Tawila.

UNICEF/UNI941831/Jamal

في المساحة الآمنة، تقضي وقتها مع النساء والفتيات، مقدّمةً لهن الدعم النفسي والاجتماعي من خلال جلسات إرشاد فردية وجماعية.

"لا أستطيع وصف الفرق الذي يُحدثه هذا المكان في حياة النساء والفتيات والأطفال"، تقول مهلة. "هنا يشعرن بأنهن مرئيات ومسموعات وفي أمان. وتعامل النساء والفتيات بعضهن بعضاً كالأخوات."

بالنسبة إلى مهلة، ليس هذا مجرد عمل، بل هو تعافٍ.
"معاً، نساعد بعضنا البعض على الشفاء."


على الرغم من سنوات الصراع وآثاره المدمرة، فإن أشخاصاً مثل فضيلة وعلوية ولطيفة وأمينة ومهلة يجعلون الحياة وسط المعاناة اليومية والألم. فحتى بعد أن فقدوا كل شيء، فهم يعيدون الأمل، ينقذون الأطفال حديثي الولادة، يعالجون المرضى، يخلقون الروتين للأطفال، يعيدون فتح الصفوف، ويطببون الجراح النفسية.

هؤلاء هم #ناس_الفاشر، أناسٌ تعكس أعمالهم اليومية قوة السودان، وحنان أهله، وصلابتهم، وعزمهم على إعادة بناء حياتهم بينما ينتظرون السلام والعودة إلى ديارهم.