إعادة تخيُّل الأبوة والأمومة
كيف يساهم الآباء في نمو أطفالهم خلال السنوات الأولى من العمر
- English
- العربية
يتطور دماغ الطفل خلال السنوات القليلة الأولى من الحياة بسرعة لا تتكرر أبدًا، إذ يُطوِّر دماغ الطفل في تلك المرحلة ما يزيد عن مليون وصلة عصبية جديدة كل ثانية. توفر هذه الفترة فرصة وحيدة في العمر لتشكيل قدرة الطفل على التعلم والنمو وتكوين علاقات صحية والمساهمة الكاملة في المجتمع. ويُعتبر الوالدان المُزَوِّد الأساسي للصحة والتغذية والتحفيز وفرص التعلم المبكر والحماية التي يحتاجها الأطفال الصغار، لكي يحصلوا على تنمية دماغية صحية.
يولد الأطفال ولديهم منذ اللحظة الأولى لولادتهم غريزة واحدة هي من صميم الطبيعة البشرية، ألا وهي غريزة الارتباط بوليّ أمرهم – وعادة ما يكون الوالد أو الوالدة – وذلك للبقاء على قيد الحياة والنمو والحماية والتعلم.
إن هذا الارتباط مع أحد الوالدين أو مع وليّ الأمر، هو الذي يوفر التغذية للأطفال ويحميهم من الأذى ويعمل على تهدئتهم عن طريق اللعب والحب، ويساعدهم على تعلم الحركة بأمان أثناء اكتشافهم لمحيطهم.
إن سعادة الأطفال وقدرتهم على الإيمان بأنفسهم والتحلي بالمرونة والتنظيم الذاتي وعلى التعامل مع خيبات الأمل وتعلم واكتشاف أشياء جديدة - وكلها عوامل مهمة لمهارات الصحة النفسية على مدى الحياة - مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذه الروابط العاطفية المبكرة.
تُعتبر علاقات المحبة والعلاقات الإيجابية المهدئة بين أحد الوالدين أو وليّ الأمر والطفل في السنوات الأولى أمرًا حيويًا لتعزيز نمو الدماغ ورفاهية الأطفال وصحتهم النفسية على مدى الحياة.
كل اتصال مع الطفل يتّسم بالمحبة، وكل وجبة مغذية تُعطى للطفل أو لعبة نلعبها مع الطفل تساعد في بناء دماغ الأطفال الصغار وتشكيل طريقة تفكيرهم وشعورهم وتصرفهم وتعلمهم على مدى العمر.
قد تكون الحاجة إلى الحب واللعب في مرحلة الطفولة أمرًا بديهيًا، لكن البحث العلمي بيّن لنا أن الحب واللعب أمران حيويّان لنمو الدماغ والصحة النفسية على مدى الحياة.
يتعلم الأطفال بشكل أفضل عندما يشعرون بالأمان، وأفضل طريقة يتعلمون بها هي من خلال اللعب.
إن الحب واللعب يقوّيان العقل والجسد، ويساعدان على تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية، ويوفران الراحة لكلّ من الوالدين والطفل عند الشعور بالقلق والتوتر.
أي فعل ينبع عن حب ويخلق التواصل واللعب، مهما كان صغيرًا، يبني دماغ الأطفال ويقوي صحتهم ورفاههم العاطفي والروابط بين الوالدين والأطفال.
الصحة النفسية للوالدين وأولياء الأمور لها أهمية كبيرة لبناء هذه الروابط التي تشكل رفاهية الطفل وقدرته على الازدهار والنمو على مدى الحياة.
تتشكل قدرة الوالدين على أن يكونا في أفضل حالاتهما هي أيضًا من خلال تجاربهما الخاصة ورفاههما، سواء حاليًا أو في
يريد جميع الآباء الأفضل لأطفالهم، ولكن الأبوة والأمومة الناجحة بالنسبة للكثيرين ليست غريزية - إنها مهارة يتم تعلُّمها.
تُعتبر الأبوة والأمومة من أصعب الوظائف في العالم. وهي تأتي مصحوبة بمسؤوليات وضغوط أكثر من معظم الوظائف الأخرى. كما يمكن لها أن تكون مؤلمة أحيانًا، خاصةً عندما يجد الوالدان صعوبة في الموازنة بين متطلبات العلاقات الأخرى أو عندما يعانيان من أمور تتعلق بصحتهما العاطفية.
يمكن الأبوة والأمومة أن تكون ضارة للوالدين والأطفال إن لم تحصل على الدعم المناسب.
لم تكن هذه المهمة سهلة في يوم من الأيام، وقد أتت جائحة "كوفيد-19" لتُحمِّل الوالدين وأولياء الأمور عبئًا نفسيًّا أكثر ثقلاً وهم يواصلون الكفاح للحفاظ على تعلّم الأطفال وتدبير أمور العائلات.
شكّل الوباء مصدراً للتوتر والمِحن غير المسبوقة بالنسبة للعديد من العائلات، مما جعل صحتهم النفسية وقدرتهم على توفير بيئة تمنح أطفالهم الحماية والرعاية عُرضة للخطر.
زادت الجائحة من العبء الثقيل الذي كان يحمله جميع الآباء وأولياء الأمور من قبل، وخاصة الأمهات ومن يقدمن الرعاية للأطفال، واللواتي يتحملن هذا العبء بشكل غير متناسب من حيث حجم تقسيم المسؤوليات.
يتفاقم التوتر والمحن يومًا بعد يوم على حياة العائلات التي تعيش في حالة من الفقر والعنف وسوء المعاملة والإهمال داخل البيت، أو تلك التي تعيش في ظل النزاع أو في بعض أكثر الأماكن هشاشة في العالم.
إننا بحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تصور الدعم الذي نقدمه للوالدين بحيث يكون لديهم الوقت والموارد والخدمات لمنح الأطفال أفضل بداية للانطلاق في هذه الحياة.
يحتاج الوالدان إلى وقت يقضونه مع أطفالهم، وإلى الموارد اللازمة لإعالة أطفالهم وإلى الخدمات لتعلم مهارات الوالديّة والعناية برفاههم العاطفي.
لكن الكثيرين لا يحظون بإمكانية الحصول على الخدمات التي تمكّنهم من تعلم مهارات الأبوة والأمومة أو الاعتناء بصحتهم النفسية، ولا يملك الكثيرون خيارًا سوى العمل لساعات طويلة لدعم عائلاتهم.
تدعو اليونيسف الشركات إلى الاستثمار لتوسيع نطاق برامج الأبوة والأمومة والسياسات الصديقة للأسرة لبناء مجتمعات أكثر مرونة وازدهاراً وإنصافاً. يجب أن يعزز هذا الدعم الرعاية المرحة والمتجاوبة، خاصة في السنوات الأولى.
برامج الأبوة والأمومة - مجموعات دعم المجتمع المحليّ - تمنح الوالدين الدعم الذي يحتاجان إليه لتعلم المهارات وكسب النصائح العملية والإرشادات حول التربية الإيجابية ورعاية أولياء الأمور ودعم رفاهيتهم وصحتهم النفسية.
السياسات الصديقة للأسرة - بما في ذلك إجازات الأبوة والأمومة مدفوعة الأجر ، ودعم الرضاعة الطبيعية، والحصول على رعاية نوعية وبأسعار معقولة للأطفال، وإعانات الأطفال والأجور المناسبة - تمنح الوالدين الوقت والموارد والخدمات التي يحتاجونها لمنح أطفالهم أفضل بداية في الحياة؛ بينما تعمل برامج الصحة النفسية المقدمة لجميع الموظفين على مساعدة الوالدين العاملين للتعامل مع ما يواجهان من متطلبات متضاربة.
أن تكون والدًا هو أهم وأصعب وظيفة في العالم.
تدعو اليونيسف الحكومات والشركات إلى إعادة تصور ودعم الأبوة والأمومة بحيث يزدهر كل طفل وينمو على مدى حياته.