تحويل المخلفات إلى أمل

كيف يقود مهندس شاب العمل المناخي المجتمعي في ريف مصر

مصطفى طاهر
كيف يقود مهندس شاب العمل المناخي المجتمعي في ريف مصر
يونيسف/مصر2025/أحمد عماد
13 تموز / يوليو 2025

في قرية ريفية هادئة بمحافظة الشرقية في مصر، ينحني شاب فوق كومة من حبيبات البلاستيك التي كانت يومًا ما جراكن وأغطية زجاجات مهملة. بالنسبة للكثيرين، لا تبدو هذه المواد سوى نفايات عادية. أما بالنسبة لأحمد أشرف، خريج هندسة كهربائية يبلغ من العمر 25 عامًا، فهي أحجار أساس للتغيير.

أنا لا أرى البلاستيك قمامة، بل أراه خامة يمكن تحويلها إلى فرص عمل، وقرى أنظف، وأمل حقيقي.

ما يقوم به أحمد يتجاوز مجرد إعادة التدوير. إنه يعيد التفكير في ما نرميه، وفي ما نعتقد أنه ممكن. يتعلق الأمر بتغيير طريقة التفكير، وتحويل النفايات إلى فرص، وإلهام رؤية جديدة لما يمكن أن تحققه المجتمعات الريفية.

من النفايات إلى التحوّل

بدأت رحلة أحمد من حقيقة بسيطة ومزعجة: مشكلة النفايات المتزايدة في الريف المصري لن تُحل من تلقاء نفسها. كانت أكوام البلاستيك تملأ الحقول والممرات، وكان الحرق المكشوف ينشر السموم في الهواء، بينما شعر الناس بالعجز.

 ماذا لو تحوّلت النفايات البلاستيكية إلى أساس لحلول محلية وهدف مشترك؟

بدأ بخطوات صغيرة، فجمع شباب قريته، ونظم حملات من باب إلى باب، ودرّب العائلات على فرز نفاياتهم. وتحول هذا الجهد المحلي المتواضع إلى حركة مجتمعية امتدت إلى 13 قرية، مدفوعة بالوعي المناخي وممارسات الاقتصاد الدائري وروح القيادة اليومية.

لكن أحمد لم يكتفِ بنشر الوعي فقط.

التوسّع بدعم الشركاء

في عام 2024، شهدت رؤية أحمد نقلة نوعية عن طريق برنامج "مشواري"، بدعم من مبادرة "جيل بلا حدود" التابعة ليونيسف، وبرنامج أيادي الخير نحو آسيا (روتا) التابع لمؤسسة "التعليم فوق الجميع".

وفّر البرنامج مجموعة من المهارات الحياتية، وتدريبات على فرص التوظيف، وأدوات للابتكار الاجتماعي، بالإضافة إلى المشورة والتوجيه، مما ساعد أحمد على توجيه شغفه نحو أثر مستدام.

وبفضل هذا الدعم، أطلق أحمد حملات منظمة لجمع المخلفات، ودرب الأهالي على كيفية فرز النفايات، وشكّل فريقًا من شباب قريته لقيادة جهود إعادة التدوير. تم جمع أكثر من 600 كيلوجرام من البلاستيك من نوع البولي إيثيلين، من أغطية الزجاجات وعبوات المنظفات وغيرها، ثم تم تمزيقها وتنظيفها وتحويلها إلى حبيبات بلاستيكية قابلة لإعادة الاستخدام.

بعد ذلك، تم استخدام هذه الحبيبات في تصنيع منتجات محلية، مثل الميداليات، وهي عناصر بسيطة لكنها تحمل رسالة كبيرة: "للنفايات قيمة".

كيف يقود مهندس شاب العمل المناخي المجتمعي في ريف مصر
يونيسف/مصر2025/أحمد عماد

بداية حركة نحو التغيير

مشروع أحمد لم يقتصر فقط على تقليل التلوث البلاستيكي، بل ساهم في تغيير طريقة التفكير. بدأ الآباء والمعلمون والشباب ينظرون إلى النفايات ليس كعبء مزعج، بل كفرصة. فرصة للتعلم، للكسب، وللقيام بدور في حماية بيئتهم.

من خلال تدريب عملي في مركز التنمية الريفية بجامعة هليوبوليس، عمّق أحمد معرفته التقنية ووسّع نطاق تأثيره. قدم مشروعه مفهوم "النفايات مقابل القيمة"، حيث يحصل الأهالي على حوافز أو منتجات بسيطة مقابل تسليم نفايات منازلهم، مما أطلق شرارة ابتكارات يقودها الشباب في القرى المشاركة.

وفي أحد المعسكرات الصيفية بالقرية، قام الطلاب بتطبيق منهجية أحمد بأنفسهم، فحوّلوا مخلفات الطعام إلى سماد عضوي، والبلاستيك إلى أدوات زراعية بسيطة. وبالنسبة للكثيرين، كانت هذه هي المرة الأولى التي يرون فيها أنفسهم جزءًا من الحل لمشكلة المناخ.

 أكتر حاجة أسعدتني لما شفت شباب طالعين بأفكارهم الخاصة في إعادة التدوير. مشاريع بسيطة بتخلق وعي كبير.

إعادة تخيّل المستقبل

الآن، يعمل أحمد على تصميم ماكينة إعادة تدوير منخفضة التكلفة لتوسيع إنتاج المنتجات اليومية من البلاستيك المعاد تدويره محليًا. طموحه أن ينقل مفاهيم التدوير لمستدام،لا وما يصاحبها من تغيير في التفكير، إلى كل قرية ريفية في مصر.

ويوجه رسالته للشباب الطموحين قائلاً: ما تسيبش التحديات توقفك. ابدأ بالإمكانيات اللي في إيدك، في المكان اللي إنت فيه. كن أنت التغيير اللي بيئتك محتاجاه.

نموذج لقيادة الشباب في العمل المناخي

قصة أحمد تُجسّد بقوة ما يمكن أن يحدث عندما يحصل الشباب على الأدوات والتدريب والثقة اللازمة للقيادة. وبفضل التعاون بين مبادرة "جيل بلا حدود" التابعة ليونيسف، وبرنامج "روتا" التابع لمؤسسة "التعليم فوق الجميع"، أصبحت مبادرات مثل مبادرة أحمد تعيد تعريف مفهوم القيادة الشبابية في مواجهة أزمة المناخ. 

في يد أحمد، يتحول غطاء زجاجة بلاستيكية إلى رمز للصمود، والإبداع، وغدٍ أفضل. قطعة مُعاد تدويرها تلو الأخرى، يساهم الشباب في تشكيل مستقبل جديد، لمجتمعاتهم، ولكوكبنا.


حول الشراكة

مشواري هو برنامج تنمية شبابية بدعم من يونيسف، ويُنفَّذ تحت رعاية دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، بقيادة وزارة الشباب والرياضة، وبتمويل من شركاء تنمية من بينهم الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، ومملكة هولندا، ومؤسسة التعليم فوق الجميع (EAA).

يهدف البرنامج إلى تمكين الشباب اجتماعيًا واقتصاديًا من خلال حزمة شاملة من المهارات تشمل، المهارات الحياتية ومهارات التوظيف، والتدريب على الابتكار وريادة الأعمال الاجتماعية، وخدمات الإرشاد المهني، وكلها مصممة لتعزيز فرص تشغيل الشباب وبناء قدراتهم المهنية.

تعمل الشراكة بين مؤسسة التعليم فوق الجميع (EAA Foundation) وبرنامج يونيسف (جيل بلا حدود - GenU) على تمكين الشباب في مصر ولبنان والأردن من قيادة العمل البيئي، والحصول على سبل عيش مستدامة، وتعزيز اقتصاداتهم المحلية. ويُنفَّذ ذلك من خلال نهج متكامل يشمل تطوير المهارات الخضراء، ومبادرات التشجير المجتمعي، وفرص التوظيف، وريادة الأعمال.

من خلال برنامج رؤى خضراء ومستقبل مزدهر (Green Visions and Thriving Futures)، سيشارك 370,000 شاب وشابة من البلدان الثلاثة في أنشطة بيئية تهدف إلى حماية التنوع البيولوجي، وإدارة النفايات، والحفاظ على المياه في مجتمعاتهم المحلية. ومن بينهم، سيتلقى 60,000 طالبًا في المرحلة الإعدادية مناهج تعليمية متخصصة في العمل المناخي.

وفي مصر، سيدعم البرنامج 195,670 شابًا وشابة في الانتقال من التعلم إلى العمل، من خلال فرص توظيف أو دعم مشاريع ريادية في قطاعات رئيسية مثل تكنولوجيا المعلومات، والرعاية الصحية، والهندسة، والزراعة. ويشمل ذلك 22,500 شابًا سيمرّون بمسار متكامل يبدأ بالتوعية حول التغير المناخي، ثم بالمشاركة في مبادرات خضراء عملية، وصولًا إلى فرص عمل مستدامة.