خداع طبي
بسبب وهم الختان الطبي، كادت نجاة أن تفقد ابنتها الوحيدة
- English
- العربية
في قرية الشامية بأسيوط، تحمل نجاة شعورًا كبيرًا بالذنب تجاه ابنتها الوحيدة. بعد مرور أكثر من 4 سنوات، تمكنت أخيرًا نجاة من أن تحكي قصتها ليونيسف من أجل توعية الأمهات الأخريات ضد وهم "الختان الطبي". تقول نجاة: "الطهارة فرض مقدس في البلد عندنا، ولازم كله يطاهر بناته. حماتي جابت الداية علشان تطاهر بنت سلفتي، بس أنا موافقتش على مشوار الداية وكنت عايزة أطاهر بنتي عند دكتور."
ما هو الختان الطبي؟
في نسخته الصادرة عام 2021، أظهر المسح الصحي المصري للأسرة المصرية انخفاضًا ملحوظًا في نسبة ختان الإناث في مصر، وعلى الرغم من ذلك، لاتزال مصر تحتل الصدارة في معدلات ما يسمى بالختان الطبي، أو - كما تصفه منظمة الصحة العالمية - ب"إضفاء الطابع الطبي" على عملية تشويه الأعضاء التناسلية للأنثى، وهي عملية جراحية لم ترد في كتب الطب وتعتبر جريمة طبية لتسببها في تشويه وإزالة البظر، وهو عضو فعال في جسد الأنثى (وليس قطعة جلد زائدة كما في حالة الذكور).
في الآونة الأخيرة، أصبح الكثير من الأهالي يلجأون للطاقم الطبي بشكل غير رسمي لإجراء عملية لختان لبناتهم ظنًا منهم أن ذلك سوف يحميهن من مضاعفات مثل النزيف وتلوث الجرح. لكن الواقع يقول أن ذلك لا يحمي الفتاة من الأذى النفسي والشعور بفقدان الثقة والكرامة، كما أن استخدام الأدوات الجراحية بدون قواعد يمكن أن يسبب مضاعفات خطيرة قد تصل للوفاة، ولعل أشهر حالات الوفاة بسبب الختان الطبي كانت "ندى" ابنة الـ12 عامًا فالتي توفيت في محافظة أسيوط أثناء خضوعها لختان الإناث على يد أحد الأطباء في 2020، ومن قبلها الطفلة بدور على يد طبيبة بالمنيا عام 2007، وهي الحادثة التي قررت الدولة اعتبار يوم حدوثها (14 يونيو) اليوم الوطني للقضاء على ختان الإناث.
خدعة متقنة
ذهبت نجاة لاستشارة طبيب شهير يأتي للقرية كل فترة لإجراء عمليات الختان للفتيات، فأصر على الكشف عليها أولًا لأن – حسب ادعائه – هناك فتيات تحتاج للختان وأخريات لا، كما أنه لا يجري عمليات للختان تحت سن 9 سنوات (!)، وانطلت تلك الخدعة على نجاة التي تحكي قائلة: "هو بكلامه ده خلاني اقتنعت اقتناع تام إن هو دارس الحاجة دي علميًا". واتفقت نجاة مع الطبيب على أن يأتي لإجراء العملية في المنزل.
يوم مشئوم
عن يوم ختان ابنتها، تحكي: "أصعب لحظة لما جه ياخد بنتي من حضني، بقت حاضناني وتبكي وتصوّت وتقول يا ماما حرام عليكي أنا طفلة ما تعمليش فيّا كدة."
ومع المقاومة الشديدة وحركة الفتاة العنيفة، قام الطبيب بجرحها جرحًا أكبر من المعتاد، وتسبب لها في نزيف حاد عانت بسببه لمدة عشرة أيام كادت أن تفقد فيها حياتها لولا العناية الإلهية. كل ذلك جعل نجاة تتساءل عن جدوى اللجوء لطبيب لإجراء هذه العملية، أو جدواها من الأساس.
اكتشاف الخدعة
بدأت نجاة في البحث وسؤال بعض أعضاء جمعية أسيوط للطفولة والتنمية الذين يقدمون التوعية للسيدات والفتيات في أنحاء المحافظة عن الختان الطبي، واكتشفت أنها كانت ضحية من آلاف الضحايا الذين يتم استغلالهم لتحقيق ربح مادي من قبل الأطباء والممرضين من معدومي الضمير.
قامت المثقفات الصحيات كذلك بتصحيح الكثير من المفاهيم المغلوطة لديها وفق التدريبات التي تلقينها من يونيسف حول الجوانب الصحية والدينية لختان الإناث، وأدركت نجاة أنها اقترفت ذنبًا عظيمًا سيؤثر على ابنتها للأبد.
تقول نجاة وهي تغالب دموعها موجهة رسالة لابنتها: "أتمنى تسامحيني وماتزعليش.. ماكانش بودّي إني أوجعك أو أتعبك أو أسمع صريحك وأشوفك بتنزفي قدامك.. بس غصب عني."
جهود وطنية وعالمية
تقوم يونيسف - بالتعاون مع الحكومة المصرية واللجنة الوطنية للقضاء على ختان الإناث والمجتمع المدني – بالقيام وتيسير العديد من المبادرات للتثقيف وتصحيح المفاهيم الخاطئة حول ختان الإناث.
تعمل المنظمة على التصدي والحماية من ختان الإناث على عدة مستويات، بما في ذلك تعزيز الأنظمة الوطنية لحماية الطفل مثل خط نجدة الطفل 16000. كذلك، تولي عناية خاصة للتعاون مع الأزهر الشريف والكنيسة القبطية المصرية ووزارة الأوقاف (أهم القيادات الدينية في الدولة) لتدريب الأئمة والقساوسة على نشر الوعي بشأن القضية وعدم ربطها بالدين.
منذ 2008، تعمل يونيسف بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان لتطبيق "البرنامج المشترك للقضاء على تشويه الأعضاء التناسلية للإناث" في 17 دولة. يربط البرنامج التحول في الأعراف الاجتماعية والچندرية - والتي غالبًا ما تؤدي إلى ختان الإناث - بالقوانين التي تحظر الممارسة، بالإضافة لدعم وصول الفتيات والسيدات المعرضات أو اللاتي تعرضن بالفعل لختان الإناث إلى خدمات حماية الطفل والصحة الإنجابية. تدعم هذا البرنامج حكومات بلجيكا، كندا، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، أيسلندا، إيطاليا، لوكسمبورغ، النرويج، السويد، أسبانيا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة.
في 14 يونيو 2019 - اليوم الوطني للقضاء على ختان الإناث - تم إنشاء اللجنة الوطنية للقضاء على ختان الإناث برئاسة المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للطفولة والأمومة، بالتعاون مع الوزارات المعنية والمجالس القومية المتخصصة والأزهر والكنيسة والمجتمع المدني. بدعم من يونيسف وصندوق الأمم المتحدة للسكان، أطلقت تلك اللجنة حملة لمواجهة ختان الإناث تحت شعار #احميها_من_الختان
في عام 2021، شددت مصر عقوبة ختان الإناث، حيث يواجه غير العاملين في القطاع الطبي المتورطون في ختان الإناث عقوبة بالسجن لمدة لا تقل عن سبع سنوات في حالة العاهة المستديمة، ولا تقل عن 10 سنوات في حالة الوفاة بسبب العملية.
نصت التعديلات الأخيرة التي أجريت على القانون على أن العاملين في القطاع الطبي - مثل الأطباء والممرضات - الذين أدينوا بإجراء عملية ختان الإناث قد يواجهون عقوبة تصل إلى 20 عامًا في السجن.
كما نك توسيع المسئولية المهنية والمجتمعية بإغلاق المنشأة الخاصة التي يجري فيها ختان الإناث في حالة علم المالك، وحذف "الضرورة الطبية" وكذلك المادة 61 لمواجهة أي محاولات للتحايل أو الهروب من تطبيق عقوبة ختان الاناث.
وأخيرًا تم إدراج عقوبات للقائمين على الدعوة والترويج للختان حتى وإن لم يترتب عليها فعل.