بدائل العقوبات السالبة للحرية للأطفال في خلاف مع القانون في تونس
كيف استعاد نادر، ذو 17 عامًا، الأمل بفضل حصوله على مساعدة قانونية مجانية
- Français
- العربية
القيروان، تونس – نوفمبر 2024 – تحت أشعة الشمس الحارقة في مدينة القيروان التاريخية، يشق نادر[1]، البالغ من العمر 17 عامًا، طريقه عبر شوارع المدينة المزدحمة بصحبة والدته حياة[2]. يتجهان نحو مكتب المحامية سعيدة المجبري، الخبيرة القانونية لدى الفرع المحلي للمؤسسة القانونية الدولية (ILF)، وهي منظمة غير ربحية تعمل بالشراكة مع مكتب اليونيسف بتونس لتعزيز وصول الأطفال في خلاف مع القانون إلى مساعدة قانونية مجانية ذات جودة، مع التركيز على إيجاد بدائل للعقوبات السالبة للحرية. يُعد هذا اللقاء خطوة مفصلية في حياة نادر، هذا اليافع الذي واجه مؤخرًا منعطفًا مصيريًا في حياته.
نادر هو أصيل "الجهينات – سيدي عمر بوحجلة"، وهي قرية ريفية تبعد حوالي 45 دقيقة بالسيارة عن مدينة القيروان. وهو الأصغر بين تسعة أبناء. في صباح ذلك اليوم، كان يمسك بحقيبة قديمة تحتوي على مقتنياته البسيطة، بينما بدت على ملامحه مشاعر القلق. وحاولت والدته حياة التي تسير بجانبه تهدئته بكلمات تطمئن قلبه، رغم أن وجهها كان يعكس تعبًا ممزوجًا بأمل لا ينطفئ.
يدرس نادر في السنة التاسعة في إحدى المدارس الإعدادية بسيدي عمر بوحجلة، لكنه يحمل في قلبه حلمًا أكبر من حدود الصف الدراسي. فقد باح عن طموحه بصوت تملؤه المشاعر: "أريد أن أصبح عسكريًا وأحمي بلادي". غير أن هذا الحلم كاد أن يتلاشى قبل عام، إثر شجار بسيط بين أطفال.
شجار كاد أن يغيّر كل شيء
في صباح عادي بالمدرسة، اقترب نادر من ساحة اللعب حيث كان بعض التلاميذ يستمتعون بوقتهم. وعندما همّ بالانضمام إليهم، اعترضه زميله كريم [1]فجأة، موجهًا إليه كلمات قاسية وجارحة. تفاجأ نادر بعدائية كريم غير المبررة، وحاول استيعاب الموقف، ولكن قبل أن يستطيع الرد، رفع كريم يده وصفعه بعنف. تحت وطأة الغضب، ردّ نادر الصفعة، فتعثر كريم وسقط بقوة، مما تسبب في إصابته بجروح في وجهه. سرعان ما تفاقمت الأمور، إذ سارع والد كريم إلى تقديم شكوى ضده، ليتم استدعاؤه إلى مركز الشرطة، حيث وجد نفسه مهددًا بتهمة الاعتداء الجسدي المتعمد.
"كان ذلك خطأً"، يعترف نادر وهو يخفض عينيه، بينما يعبث بأصابعه في توتر واضح.
"لم أكن أرغب يومًا في إيذاء أحد أو الاعتداء على أي شخص".
مساعدة المحامية التي صنعت الفارق
عند هذا المنعطف الحرج، ظهرت الأستاذة سعيدة المجبري، وهي محامية في الفرع المحلي لـلمؤسسة القانونية الدولية (ILF)، عُرفت بتفانيها في الدفاع عن حقوق الأطفال في خلاف مع القانون. وبمجرد أن عبر نادر ووالدته باب مكتبها المتواضع، استقبلتهما بابتسامة دافئة.
"مهمتي هي ضمان حصول كل طفل على معاملة عادلة وإنسانية، مهما كانت الظروف"، تؤكد المحامية سعيدة.
استمعت الأستاذة سعيدة بانتباه إلى قصة نادر، مدونةً كل تفاصيلها بدقة. وفي الوقت نفسه، حرصت على شرح تعقيدات نظام قضاء الأطفال لوالدته حياة. تقول حياة : "لقد كانت السيدة المجبري بمثابة دعم أساسي لنا طوال هذا المسار". ويضيف نادر " "كانت تتواصل معي دائمًا وتشرح لي ما لم أفهمه وتوجهني إلى ما يجب علي فعله".
لو ثبتت إدانة نادر بتهمة الاعتداء الجسدي المتعمد، لكان من المحتمل أن يُودَع في مركز اصلاح خاص بالأطفال، بما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة: إبعاده عن عائلته وانقطاعه عن الدراسة وخطر تعرضه للوصم الاجتماعي. كانت تلك التجربة كفيلة بكسر ثقته بنفسه وتقليل فرصه في بناء مستقبل مستقر. لكن لحسن الحظ، استطاع نادر تجنب هذا المصير والتعلم من خطئه دون التضحية بمستقبله.
التصالح... ونهاية إيجابية
بفضل النصائح والمساعدة القانونية التي قدمتها المحامية سعيدة لنادر، عُيّنت جلسة أمام القاضي. مما اتاح فرصة للحوار والاستماع إلى جميع الأطراف المعنية. تمت تسوية القضية ودّيا بفضل الوساطة: إذ تصالح نادر وزميله، وسُحبت الشكوى.
تُعلق المحامية سعيدة قائلةً "يؤكد هذا النوع من الحلول أهمية البحث عن بدائل للعقوبات السالبة للحرية، خصوصًا بالنسبة للأطفال"
"فهؤلاء، فهم يستحقون فرصة ثانية ليتعلموا من أخطائهم ويبنون مستقبلًا أفضل".
أسرة متماسكة... وأحلام لم تنكسر
اليوم، عاد نادر وزميله أصدقاء من جديد. تقول حياة بابتسامة "لقد كبرا معًا، فنحن جيران منذ سنوات". حياة، التي تواجه تحديات الحياة اليومية كونها أمًا لتسعة أطفال، لا تخفي محبتها الخاصة لابنها الأصغر، "نادر هو الطفل الأكثر تدليلًا"، تقولها بابتسامة مليئة بالحنان.
أما نادر، فلا يزال متمسكًا بأحلامه، ولم يتخلَّ عن شغفه بتربية الكلاب وتدريبها. "عندما أنظر إلى كلابي، أرى فيها الانضباط والشجاعة"، يوضح قائلا.
"أريد أن أمتلك هاتين الصفتين وأخدم بلدي يومًا ما".
برنامج يغير الحياة
لا يقتصر البرنامج الذي تنفذه المؤسسة القانونية الدولية، بالتعاون مع اليونيسف، على تقديم المساعدة القانونية فحسب، بل يفتح أيضًا آفاقًا جديدة للأسر ويعزز قدرتها على الصمود. تتعاون المؤسسة، بالتنسيق مع اليونيسف، مع المراكز المحلية للإدماج الاجتماعي للأطفال في وضعية صعبة ومندوبي حماية الطفولة وأقسام الشرطة والنيابة العمومية، فضلاً عن العديد من الجهات المعنية الأخرى، لضمان تمثيل قانوني مناسب للأطفال في خلاف مع القانون، وحمايتهم، وتمكينهم من الاندماج السليم في المجتمع.
في عام 2024، حصل 97 طفلاً في خلاف مع القانون على مساعدة قانونية مجانية، بينهم 81 من الفتيان و16 من الفتيات. وقد سُويت أغلب هذه القضايا عبر بدائل للعقوبات السالبة للحرية، بما في ذلك الوساطة والحرية المحروسة. وقد تحقق هذا الدعم بفضل التمويل المقدم من حكومة هولندا.
تختتم الأستاذة سعيدة حديثها قائلةً بثقة
"كل طفل نساعده هو انتصار، ليس له فقط بل للمجتمع بأسره. تثبت قصة نادر أنه، مع الدعم المناسب، يمكن لأي طفل أن يجد طريقه من جديد".