مواجهة النزوح وتحديات الإعاقة
في الجنينة، مساحات تعلّم آمنة تمنح أطفالاً مثل عمر فرصة جديدة للتعلّم
- English
- العربية
"كانت حياتنا جيدة قبل أن نُجبر على الرحيل، لكنها تبدو قاسية الآن. أشعر بالسعادة عندما أكون هنا. أحب أن أصنع أشياء بيدي. أصنع سيارات من أسلاك النحاس. عندما أكبر، أريد أن أصبح مهندساً ميكانيكياً وأعلّم الناس كيف يصلحون السيارات"، قال عمر “لن أتخلى عن التعلّم حتى أكون ما أريد أن أكونه."
تعكس كلمات عمر روح الإصرار التي تملأ مساحة التعلّم الآمنة في حي المدينة المنورة في الجنينة بولاية غرب دارفور. داخل الخيام، يلوّن الأطفال الأصغر سناً ويرسمون ويلعبون بالدمى المحشوة والكرات اللينة والألغاز. يملأ ضحكهم المكان، في تناقض واضح مع الواقع القاسي خارجها. وبالنسبة لـ250 طفلاً نازحاً، تشكّل هذه المساحة أكثر من مكان للتعلّم، إنها مساحة للأمل.
في الساحة، تنبض الجدران بالألوان. رسومات للزهور والبيوت وأعلام السودان تزيّن المكان، في تعبير إبداعي عن الحياة والاستمرار. للحظة، يجعل الفرح في الداخل من السهل نسيان الصدمات التي شكّلت هذا المكان. هنا، الفرح ليس صدفة، بل اختيار مقصود.
أطفال يحملون أثقل الأعباء
في أنحاء السودان، تمزّقت الطفولة على نطاق لا يمكن تصوّره. فمنذ اندلاع النزاع، أُجبر أكثر من 10 ملايين شخص على الفرار من منازلهم، نصفهم من الأطفال. مدارس كان يُفترض أن تحمي التلاميذ وتدعم نموّهم تعرّضت للتدمير أو الهجوم أو تحوّلت إلى ملاجئ. ملايين الأطفال في سن الدراسة باتوا خارج الصفوف الدراسية، وكثير منهم يواجهون ضائقة نفسية عميقة نتيجة العنف الذي شهدوه والرحلات الخطرة التي اضطروا لخوضها.
وعلى بُعد شارع واحد فقط، تقف فصول مدرسة المدينة المنورة الأساسية صامتة وخالية. ومع قلّة المعلمين وكثرة الاحتياجات غير الملبّاة، لم تعد المدرسة قادرة على أداء دورها كمكان للتعلّم. ويبرز التباين بوضوح عند مقارنتها بالدفء والحيوية اللذين يميزان مساحة التعلّم الآمنة.
وتُعد هذه المساحة واحدة من 150 مساحة تعلّم آمنة مدعومة من اليونيسف في أنحاء السودان، ومموّلة من مبادرة التعليم لا ينتظر في إطار برنامج الاستجابة الطارئة الأول. ويوفّر البرنامج فرص تعلّم آمنة وشاملة وجيدة لـ45 ألف طفل متأثرين بالأزمات. وتشكل هذه المساحات شرايين حياة، إذ تتيح التعليم واللعب والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الذين فقدوا كل شيء تقريباً.
رحلة عمر: ألم وفقدان وإصرار
كان عمر في الثالثة عشرة من عمره عندما تغيّرت حياته فجأة. في يوم عادي، أسقطه ألم شديد أرضاً، وسرعان ما لم يعد قادراً على المشي. حاولت أسرته كل ما بوسعها، لكن الوصول إلى الرعاية الطبية كان بعيد المنال. تفاقم الألم في ساقه وظهره، وسخر منه أطفال الحي، محوّلين معاناته إلى تجربة قاسية. ومع العبء الجسدي والنفسي المتزايد، توقّف عمر عن الذهاب إلى المدرسة. وفي سن السادسة عشرة، كان لا يزال في الصف الثالث، بعدما تعطّل تعليمه بسبب الإعاقة، ثم لاحقاً بسبب النزوح.
وبعد أقل من ستة أشهر على تشخيص حالته، فرت أسرته بحثاً عن الأمان، تاركة وراءها الحياة التي عرفتها.
بعد أكثر من عامين، يجلس عمر اليوم في مساحة التعلّم الآمنة، مصمّماً وغير منكسر. في البداية، كان يميل إلى العزلة ويرفض المشاركة في الأنشطة. لكن مع التوجيه اللطيف والدعم المستمر من معلمات مثل فاطمة، بدأ طريقه نحو التعافي.
في البداية، كانت رسومات الأطفال تعكس صدماتهم، فقد كانوا يضعون على الورق ما شاهدوه من أهوال خلال رحلاتهم. ومع مرور الوقت، بدأت الرسومات تعبّر عن التعافي والأمل. ونحن أيضاً بدأنا نتعافى معهم"، تقول فاطمة.
وساعدت جلسات الدعم النفسي والاجتماعي عمر على استعادة ثقته بنفسه. بدأ يتفاعل مع الأطفال الآخرين وقرر مواصلة تعليمه. حلمه واضح، أن يصبح مهندساً ميكانيكياً.
لكن التحديات ما زالت قائمة”. لم أتناول دوائي ولم أشترِ ملابس العيد منذ أكثر من عامين"، يضيف عمر بخجل”
UNICEF 2025/Tariq
"لن أتخلى عن التعلّم حتى أكون ما أريد أن أكونه."
مجتمع يسند بعضه بعضاً
تحمل هذه المساحة أيضاً قصصاً عن تعاطف إنساني يفوق الوصف. نازحون يساعدون نازحين آخرين، ويتقاسمون الأعباء قبل التفكير في أعبائهم الخاصة. فاطمة، وهي حامل في أشهرها الأخيرة ونازحة من منزلها في سوبا بالخرطوم، وجدت قوتها من جديد في التعليم. تقول إن إمساكها بالقلم من أجل هدف أعاد إليها حياتها. ويعكس إصرارها ما يتحلّى به الأطفال الذين تقوم بتعليمهم.