رحلة الصمود والقوة: قصة بيكرد
فرصة غيرت حياتها
- English
- العربية
في منزل صغير في قضاء جمجمال بمحافظة السليمانية، تستقبل بيكرد أيوب كل يوم بإصرار. تبلغ من العمر 33 عامًا وهي أم لخمسة أطفال—ابنتان وثلاثة أبناء تتراوح أعمارهم بين 9 و15 عامًا. كانت حياتها كفاحًا مستمرًا لدعم زوجها في تأمين احتياجات أسرتها. ومع ذلك، فإن رحلتها هي قصة تحول وصمود وأمل.
تشرح قائلة: "الحياة صعبة، وتكاليف المعيشة مرتفعة. لطالما عملت لدعم أسرتي، لكنه لم يكن أمرًا سهلًا". ورغم كل المصاعب، لم تفقد شجاعتها واصرارها.
العمل الشاق والتحمل
لعدة سنوات، عملت بيكرد بلا كلل لتأمين لقمة العيش لأطفالها. كانت تخبز الخبز لبيعه، وتنظف رؤوس وأقدام الأغنام—المعروفة باسم باجة—لتبيعها للسكان المحليين. تتذكر قائلة بصوت مرهق: "كانت يداي تؤلمانني من العمل لكنني لم اتوقف، لم يكن لدي خيار آخر".
ورغم الإرهاق الجسدي، بقي حلم يراودها في قلبها. تقول بيكرد، وعيناها تلمعان: "لطالما أردت تعلم الخياطة. كنت أتخيل نفسي وأنا أخيط الملابس وأصنع شيئًا جميلًا. لكن في كل مرة أجد دورة تدريبية، لم أكن أستطيع تحمل تكاليفها. كنت أشعر بأنني عالقة"
فرصة غيرت حياتها
في أحد الأيام، سمعت بيكرد من جيرانها عن مركز حماية الطفل في جمجمال، الذي تديره مديرية العمل والشؤون الاجتماعية في محافظة السليمانية وتموله "اللجنة الفرنسية وبنك التنمية الالماني". كان المركز يقدم دورات خياطة مجانية إلى جانب جلسات توعية للأهالي. شعرت أن هذه الفرصة قد تكون طوق النجاة لها.
تقول بيكرد بابتسامة: "قررت أن أجرب، شعرت وكأنني أدخل عالمًا جديدًا. لم أكن أعرف أي شيء عن الخياطة أو قص القماش، لكن الموظفين استقبلوني كأنني فرد من العائلة. لم يقتصر الأمر على تعليمي، بل آمنوا بي".
نسج الثقة والأمل معًا
على مدار ثلاث دورات تدريبية في الخياطة، حولت بيكرد حلمها إلى حقيقة. ومع بعض المال المقترض، اشترت ماكينة خياطة وبدأت في تنفيذ أعمال صغيرة لجيرانها. تقول بيكرد: "العمل منحني أكثر من مجرد دخل. لقد منحني الفخر والثقة. لأول مرة، شعرت أنني أستطيع إعالة أطفالي بطريقة لم أستطع من قبل. كما أثبت لي أنني قادرة على تغيير مساري".
قدم المركز لها أيضًا شيئًا لم تكن تتوقعه—الدعم العاطفي والنفسي. إلى جانب برنامج التربية الإيجابية، قدم المركز خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال ومقدمي الرعاية. ومن خلال الجلسات الفردية والجماعية، تعلمت بيكرد كيفية التعرف على التوتر وإدارته، وتحسين تواصلها مع أطفالها، وخلق بيئة منزلية أكثر رعاية. كما تلقت إرشادات حول أساليب التربية الإيجابية، وحل النزاعات، وتنظيم المشاعر، مما ساعدها على بناء روابط أقوى مع أطفالها. في الوقت نفسه، شارك أطفالها في أنشطة نفسية اجتماعية منظمة، بما في ذلك اللعب الإبداعي، وسرد القصص، والمناقشات الجماعية، والتي ساعدتهم على التعبير عن مشاعرهم، وبناء الثقة بالنفس، وتطوير آليات التكيف الصحية. لم تدعم هذه الجلسات رفاههم العاطفي فحسب، بل عززت أيضًا إحساسهم بالأمان والاستقرار.
تقول بيكرد بفخر: "يرى أطفالي الآن نسخة أقوى مني. لقد تعلمت كيف أدعمهم ليس فقط ماديًا، ولكن عاطفيًا أيضًا".
مكان تزدهر فيه العائلات
لم يكن مركز حماية الطفل مجرد مكان للتدريب بالنسبة لبيكرد، بل أصبح بيتًا ثانيًا لها. تقول: "في كل شهر، كنت ألتقي بـ 20 امرأة أخرى. كنا نتبادل القصص، نضحك، نبكي، وندعم بعضنا البعض. جعلني ذلك أشعر أنني لست وحدي".
كما ازدهر أطفالها في المركز، حيث حضروا دروسًا مجانية لتعلم اللغتين الإنجليزية والعربية، ولعبوا مع أصدقائهم، وتعلموا مهارات حياتية، واستفادوا من خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، التي وفرت لهم مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرهم، وبناء المرونة النفسية، وتطوير مهارات التكيف. تقول بيكرد: "أصبح أداؤهم الدراسي أفضل، وأصبحوا أكثر ثقة بأنفسهم. هذا كل ما كنت أتمناه لهم". ثم تضيف، وصوتها يغمره الامتنان: "عندما كنت طفلة، لم يرسلني والدي إلى المدرسة لأننا كنا فقراء. أما الآن، فأطفالي لديهم الفرص التي لم أحصل عليها أبدًا".
مستقبل مليء بالإمكانيات
اليوم، تحلم بيكرد بمواصلة رحلتها وبناء مستقبل أفضل لأطفالها. تقول، وصوتها يغمره التأثر: "أنا ممتنة لهذا المركز. إنه ليس مجرد مكان للتعلم، بل هو مكان للنمو، للشعور بأنك مرئي، وللشعور بأنك قادر على تحقيق شيء".
بدعم من اليونيسف وبتمويل من اللجنة الفرنسية، وبنك التنمية الألماني KfW، يوفر مركز حماية الطفل في جمجمال مهارات عملية، ودعمًا نفسيًا وعاطفيًا، وشعوراً بالانتماء للأمهات مثل بيكرد وأطفالهن.
تقول بيكرد: "هذا المكان منحني أنا وأطفالي فرصة ثانية. الآن، أؤمن بالمستقبل، وأؤمن بنفسي. كل شيء يبدو ممكنًا".