معاً من جديد
مكة ومدينة وعادل يجدون طريقهم للعودة إلى حضن أمهم
- English
- العربية
حين تتحدث مكة، ذات التسعة أعوام، بالكاد تسمعها.
"أشعر بالسعادة عندما أكون مع أمي. أحب القيام بالأشياء معها، وأحب الاستحمام معها، طالما أنني قريبة منها." تقول وهي تتمسك بفستان والدتها.
وحتى الآن، وبعد لم شملها، لا تزال تخشى الانفصال مرة أخرى عنها. والدتها هي ملاذها الوحيد؛ وكل ما تبقى لها ولإخوتها.
هروب مروّع
في خضم الفوضى التي عمت المكان جراء موجة مفاجئة من غارات الطائرات المسيّرة في الفاشر، تدفقت الحشود وتشتتت العائلات. هربت التوأمتان مكة ومدينة مع والدتهما باتجاه أبواب المدينة. أما جدتهما المسنة، فكانت أضعف من أن تتحرك بسرعة. وبين إنقاذ طفلتيها ودعم والدتها، اتخذت القرار المؤلم بدفع الفتاتين إلى الأمام، وحثتهما على التمسك ببعضهما قبل أن تعود لأخذ والدتها.
لكن الحشود ابتلعت كل شيء.
انجرف الأطفال على الطريق المزدحم المؤدي إلى الطويلة، يكافحون للبقاء واقفين لحماية شقيقهم عادل ذي العامين. خائفين ومتدافعين من قبل الحشود، لم يكن أمامهم خيار سوى مواصلة السير.
كانت هذه بداية سبعة أيام طويلة بدون والدتهم، سبعة أيام بدت وكأنها دهر.
شجاعة على الطريق الطويل
كانت الرحلة إلى طويلة قاسية وشاقة. لكن الأطفال رفضوا الاستسلام.
تناوبوا على حمل عادل الصغير الذي لم تستطع ساقاه الصغيرتان مجاراة الطريق. وعندما مرّوا بعائلة تملك عربة يجرّها حمار، تحلّت مدينة بالشجاعة وطلبت المساعدة. لم يكن في العربة متّسع إلا لعادل، فسارت الأختان خلفها على الأقدام، وعيناهما لا تفارقان أخاهما.
عندما وصلوا إلى الطويلة، كانوا وحيدين.
توسلوا للحصول على بقايا الطعام في السوق. وفي الليل، كانوا ينامون حيثما وجدوا مكانًا آمنًا. في بعض الأحيان، كانت عائلة طيبة تسمح لهم بالنوم داخل مأوى مؤقت، لحمايتهم من البرد.
تتذكر مكة: «كنا خائفين جدًا. لم نستطع التوقف عن البكاء. توقفنا فقط عندما أخبرنا أحدهم أنه رأى أمنا».
هذا الأمل هو ما أبقاهم صامدين.
خوف أم
كانت والدتهم، فاطمة عيسى، تعيش أسوأ كوابيس أي والدين.
تتذكر قائلة: "شعرتُ بالغثيان. وصلتُ فوجدتُ أطفالي قد اختفوا. كانت والدتي مريضة للغاية، ولم يكن لدينا طعام. لم أكن أعرف إن كنتُ أعود معها أم أواصل المسير. لم أكن أعرف إلى أين ذهب أطفالي".
عندما وصلت إلى الطويلة بعد أيام، بدأت البحث فورًا. جابت القرية من الصباح إلى المساء، رافضةً الراحة حتى وجدتهم.
تقول: "كنت أبكي كل يوم. ظننت أنهم ماتوا. ظننت أنني لن أرى أطفالي مرة أخرى".
سألت الجميع - العائلات، وعمال الإغاثة، والأخصائيين الاجتماعيين - على أمل أن يكون أحد قد رأى أطفالها.
بداية البحث
عند بوابات الطويلة، استقبل الأخصائيون الاجتماعيون فاطمة أثناء تسجيل الوافدين الجدد. عندما أخبرتهم أن أطفالها الثلاثة مفقودون، شرعوا على الفور في توثيق أسمائهم وأوصافهم لتسهيل عملية البحث عنهم.
في وقت سابق من ذلك اليوم نفسه، وجد نفس هؤلاء الأخصائيين الاجتماعيين مكة والمدينة وعادل وحدهم وخائفين في السوق. تم تسجيلهم كأطفال غير مصحوبين ومنفصلين عن ذويهم في نظام اليونيسف لتتبع الأسر وإعادة لم شملها.
لم يمضِ وقت طويل حتى تطابقت البيانات. اشتد البحث، ثم جاءت اللحظة التي تتوق إليها كل أم في أزمة: التأكد من أن أطفالها على قيد الحياة.
لحظة ارتياح خالصة
تقول فاطمة والدموع تملأ عينيها وهي تستذكر تلك اللحظة: "عندما رأيت أطفالي، لم أصدق عيني. كانوا خائفين ومرتبكين للغاية. لم أتخيل أنني سأراهم مجدداً".
بالنسبة لأطفالها، أصبح للأمان وجهٌ جديدٌ فجأةً - وجه أمهم.
"الآن أستطيع أن أفعل كل شيء مع أمي مرة أخرى،" تقول مكة بابتسامة خجولة. "يمكنني أن أكون معها."
بالكاد تركت مدينة يد والدتها. حتى في مأواهم المؤقت، تبقى على بُعد خطوات منها. ربما تخشى أن يؤدي البعد إلى فقدانها والدتها مرة أخرى. بالنسبة للأطفال الثلاثة، التواجد معاً هو الأمان.
الشفاء بعد الفراق
لم يسبق لأي من الأطفال الذهاب إلى المدرسة. تحلم مكة بأن ترسم وتلوّن يومًا ما، لكنها لا تملك كتبًا ولا أقلامًا.
أما فاطمة، فستحتاج إلى وقت للتعافي. وتقول: "إنّ وجودنا معاً مرة أخرى يساعدنا على التأقلم. لكن أطفالي بحاجة إلى الدعم بعد كل ما مروا به".
أزمة الأطفال المنفصلين عن عائلاتهم
منذ تصاعد العنف في الفاشر في أواخر أكتوبر 2025، تم تسجيل أكثر من 650 طفلًا منفصلين عن عائلاتهم. فرّ كثيرون في حالة من الفوضى برفقة غرباء. ووصل آخرون بمفردهم تماماً.
بفضل جهود اليونيسف وشركائها:
• تمت إعادة لمّ شمل 280 طفلًا بأمان مع عائلاتهم.
• يعيش نحو 400 طفل حاليًا مع عائلات حاضنة في طويلة، حيث يتلقون الرعاية والحماية والدعم النفسي والاجتماعي.
العودة إلى الوطن
في ظل صراع مزّق شمل العديد من العائلات، يمثل لمّ شمل مكة ومدينة وعادل شهادة على الصمود والأمل والرابط القوي بين الأم وأطفالها. تواصل اليونيسف وشركاؤها العمل بلا كللٍ لجمع شمل الأطفال مع عائلاتهم ومساعدتهم على التعافي من الصدمات.
لكن لا يزال العديد من الأطفال مفقودين. لا يزالون خائفين. لا يزالون يأملون في العودة.
لكل طفل الحق في أن ينشأ آمناً ومحمياً ومحاطاً بمن يحبونه.