شهادة عيان: لا أمان للأطفال في غزة

المتحدث باسم اليونيسف جيمس إلدر يقدم شهادته الشخصية لتأثير الحرب على الأطفال والعائلات

جيمس إلدر
The Gaza Strip. Two children sitting in the rubble of what is left of their house in Rafah city.
UNICEF/UNI485696/El Baba
19 كانون الأول / ديسمبر 2023

لا شيء كان يمكن أن يجهزني لمهمتي التي اختتمتها مؤخرا في قطاع غزة، حيث يواجه الأطفال ظروفاً كارثية. خلال عشرين عامًا قضيتها مع اليونيسف، حيث كنت أتنقل من أزمة إنسانية إلى أخرى - من المجاعات إلى الفيضانات ومن مناطق الحروب إلى مخيمات اللاجئين - لم أشهد قط مثل هذا الدمار واليأس الذي يحدث في غزة.

إن شدة الهجمات، والعدد الهائل للضحايا من الأطفال، واليأس والذعر الذي يشعر به الأشخاص المتنقلون – أولئك الأشخاص الذين فعلا ليس لديهم أي شيء - أمر ملموس. إنها كارثة إنسانية فوق أخرى.

قرب بداية فترة الهدنة القصيرة الأخيرة، انطلقنا في الصباح الباكر من رفح على الحدود مع مصر. شقت قافلتنا من الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية الأساسية طريقها ببطء في رحلة شاقة شمالًا إلى مدينة غزة، التي لم تصلها المساعدات منذ أسابيع. لا يفصل بين المدينتين سوى 35 كيلومترًا، لكن السفر عبر منطقة الحرب دائمًا ما يجعل المسافات تبدو أكثر صعوبة.

على طول الطريق، رأيت مبنى سكنيًا تلو الآخر، ومنزلًا تلو الآخر، سُوّيت جميعًا بفعل القصف، وهو مشهد بائس امتد لأميال.

في مدينة غزة خرجت لألقي نظرة فاحصة على مبنى تحول إلى أنقاض. في الداخل، لاحظت وجود بقع دماء، لكن من المستحيل معرفة ما إذا كان الأشخاص الذين تم انتشالهم من هذه الكتلة الخرسانية قد نجوا أم لا.

لن أنسى أبدًا كيف خرج رجل في الستينيات من عمره من تحت أنقاض مبنى سكني تعرض للقصف مؤخرًا. في البداية، اعتقدت أنه كان يشير إلى الرقم 10، ليشير لمقتل 10 أشخاص. لكنه صحح ذلك مستخدما عصا وكتب على التراب: 30. لم يكن عدد القتلى. كان هذا فقط عدد أفراد عائلته الكبيرة الذين قتلوا في الانفجار.

لقد فقد هذا الرجل كل شيء، عائلته الكبيرة بأكملها، وكل شخص أحبه. في بداية هذه الحرب، قالت اليونيسف إن غزة كانت "مقبرة للأطفال وجحيما حيا للجميع". الأمر أصبح أسوأ مع استمرار القصف والقتال.

كان هناك أمل في أن لا يتكرر الدمار الذي شهدناه قبل الهدنة في حال استئناف القتال. ولكن بعد سماع مئات ومئات من طلقات المدفعية والمزيد من الانفجارات، أستطيع أن أقول أن ذلك يحدث بالفعل.

وفي غضون ساعات، بدا ،كأنه مر وقت طويل منذ الهدنة الإنسانية.

Embedded video follows
UNICEF

مشيت عبر أنقاض ما قيل لي أنه كان مجتمعًا متماسكًا في وقت ما، والآن أصبح زجاجًا مكسورًا وحطامًا وفولاذاً يتكسر تحت قدمي.

شُطرت المنازل مفتوحة كاشفة محتوياتها كما لو كانت منازل دمى، وكشفت الحياة من الداخل.

 

على الركام الرمادي، ظهرت بقايا من الحياة الطبيعية تبعث على الخوف، مثل أريكة في شقة في الطابق الثالث بلا جدران، أو لوحة فنية على الجدار الوحيد الذي ظل قائما بعد الانفجار.

نظرت إلى ما كان في السابق غرفة نوم طفلة، ببطانيات وردية، وخزانة، ورفوف مليئة بالكتب، وألعاب محشوة ناعمة. بدت كغرفة أي فتاة تبلغ من العمر 12 عامًا، من أي عائلة من الطبقة المتوسطة، في أي مكان في العالم. لم تتأثر كثيرًا. كان من الممكن أن تكون الفتاة الصغيرة آمنة إذا لم تكن في غرفة أخرى مع عائلتها عندما تعرض المنزل للقصف.

أثناء القيادة عبر غزة، لا يوجد متسع من الوقت للتفكير. على قافلة المساعدات أن تستمر في التحرك.

 

على طول الطريق رأينا نفس المشهد يتكرر في حي تلو الآخر: الاحتياجات الأساسية غير ملباة. يحتاج الناس إلى الماء والغذاء. المستشفيات بحاجة إلى الدواء. هذه القافلة لديها كل تلك الأشياء. ولكن على الرغم من جهودنا وجهود زملائنا في الأمم المتحدة، أنا أعلم أنها ليست كافية. إنها لا تكاد تكفي.

 

كما ذكرت إحدى الزميلات في اليونيسف بعد مرور أسبوعين فقط على الحرب، إن قتل وتشويه الأطفال، واختطاف الأطفال، والهجمات على المستشفيات والمدارس، والحرمان من وصول المساعدات الإنسانية، كلها وصمة عار على ضميرنا الجماعي. لقد كان ذلك صحيحاً آنذاك، ولا يزال صحيحاً الآن.

 

 

من مدينة غزة، تقدمنا ​​شمالًا حتى جباليا. أول ما لاحظته هو أكوام القمامة المتعفنة خارج المستشفيات والمكاتب والمدارس. لقد انهارت خدمات الصرف الصحي وجمع القمامة بشكل كامل، بطبيعة الحال، حيث لا يوجد لدى الشاحنات وقود لجمعها، وقد أدى النزاع إلى نزوح معظم العمال الذين يقومون بهذه الوظائف على أي حال. أحد المستشفيات التي زرناها، المستشفى الأهلي المعمداني، كان في حالة فوضى تامة. لقد كان مكتظ، وصاخب، وقاسٍ. كانت شاحناتنا تقوم بتوصيل الإمدادات الطبية بينما كان يتم نقل الجرحى وهم ينزفون.

 

أخيرًا عدنا إلى جنوب غزة، إلى ما نسميه مركز العمليات المشتركة. المكان الذي يجتمع فيه العشرات من العاملين في الأمم المتحدة للاتفاق على المهمة التالية. كان الجو العام كئيبًا. جميعنا نعلم ما تحتاجه الأسر الفلسطينية: فهم بحاجة إلى المزيد من كل شيء، خاصة الأدوية والمياه والوقود والغذاء.

لكن السلامة الحقيقية لأطفال غزة تعتمد على ضمان أطراف النزاع وصول العاملين في المجال الإنساني دون عوائق إلى المدنيين أينما كانوا... وعلى قدرتنا على جلب المياه والغذاء الأساسي والمكملات الغذائية والوقود والإمدادات الإنسانية الأخرى إلى المنطقة... وعلى أطراف النزاع لتنفيذ وقف إطلاق نار إنساني فوري.

 

ما لم يتم استيفاء هذه الشروط، فإن الأطفال في غزة سيواجهون الآن خطر [القصف] من السماء، والمرض على الأرض، وخطر الموت من الجوع والعطش. لا مكان آمن.

لقد عانى أطفال غزة بما فيه الكفاية. نحن بحاجة إلى وقف إطلاق النار الإنساني والسلام الآن.

 

تعمل مدونة اليونيسف على تعزيز حقوق الأطفال ورفاههم، والأفكار حول طرق تحسين حياتهم وحياة أسرهم. نقدم لك رؤى وآراء من أبرز خبراء حقوق الطفل في العالم وتقارير من موظفي اليونيسف الموجودين على الأرض في أكثر من 190 دولة وإقليمًا. الآراء الواردة في مدونة اليونيسف هي آراء المؤلف (المؤلفين) وقد لا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي لليونيسف.

استكشف موضوعات مدونتنا: