جروب الواتساب الذي أنقذ الأطفال

كيف تم إنقاذ أطفال من صدمة فقد أبويهم عبر التواصل السريع

داليا يونس
كيف تم إنقاذ أطفال من صدمة فقد أبويهم عبر التواصل السريع
UNICEF/Egypt 2019/Rehab El Dalil
03 كانون الأول / ديسمبر 2019

الإسكندرية، مصر - يقضي الكثير من الموظفين أجازة نهاية الأسبوع في الاسترخاء والابتعاد عن ضغط العمل وقضاء بعض الوقت في الدردشة على الواتساب مع الأهل والأصدقاء، لكن في هذا اليوم الحار من صيف 2019، حدثت مشكلة خارج ساعات وأيام العمل لم تكن تحتمل التأجيل، فكانت هناك رسالة عاجلة على جروب الواتساب الخاص بالعاملين بأحد مراكز حماية الطفل.

أرسلت مسئولة الأمانة العامة لحماية الطفل بالإسكندرية رسالة على الجروب تطلب دعمًا عاجلًا لعائلة احترق منزلها، والأب والأم في حالة حرجة نظرًا لدرجات الحروق العالية، وأطفالهم الثلاثة بحاجة لمن يعتني بهم حتى قدوم أحد أفراد عائلتهم من خارج المدينة.

قام مشرف المشروع بالاتصال وتكليف دعاء السعودي – إحدى مديرات الحالة بالمركز – بالذهاب فورًا إلى المستشفى وتحري الوضع. تقول دعاء: "الطفل الكبير كان برة البيت والصغيرين في أوضة تانية فمحصلهمش حاجة، لكن الأب والأم كان عندهم نسبة حروق 85%، والمستشفى قالتلي إن فرصة نجاتهم ضعيفة."

قامت دعاء بالتواصل مع إدارة المستشفى للوصول إلى أحد أقارب الأطفال، لتعرف أن الوضع معقد أكثر مما اعتقدت. فهؤلاء الأطفال ليسوا جميعًا أشقاء، وأن هناك نزاعًا أسريًا سيحدث نتيجة من الأسر المختلفة حولهم، فكان عليها أن تهيئ الأطفال نفسيًا لاستقبال الأخبار السيئة والضغوطات المحتملة.

قررت دعاء أن تبدأ سريعًا قبل وصول الأهل وضع مصلحة الأطفال أولًا، فكانت الطفلة الأصغر – التي تبلغ من العمر سنة وبضعة أشهر – تعاني من جفاف وإعياء شديد نظرًا لانقطاع الرضاعة الطبيعية بعد الحادث، كما كانت مريضة بعيب خلقي يستدعي الكشف عليها ولم يكن في مقدور أهلها بسطاء الحال التكفل بذلك مسبقًا، فقامت دعاء بالكشف عليها والعناية بها.

كيف تم إنقاذ أطفال من صدمة فقد أبويهم عبر التواصل السريع
يونيسف/مصر 2019/رحاب الدليل
تحكي دعاء: "الموقف كان صعب.. فجأة بنقوللهم إن مامتكم كمان ماتت وروحوا لباباكم اللي مش عايزينه."

بعد يومين، توفي الأب، وكان على دعاء أن تؤهل الأطفال نفسيًا للتعامل مع هذه الصدمة خاصة بعدما عرفت من التحقيقات أن المتوفى - وهو والد الطفلة الأصغر سنًا وزوج أم الطفلين الأكبر سنًا- قد حاول حمايتهم جميعًا بجسده مما أدى لاحتراق جسده بهذه النسبة الكبيرة التي أدت لوفاته.

تحكي دعاء قائلة: "الخالة اللي كانت واخدة بالها من الأطفال وقتها اتصرفت غلط وأخدتهم على المستشفى، فأنا فهمته إن مينفعش الولاد يشوفوا ده، ورحت معاهم البيت. هناك كان كل اللي همهم مامتهم، وكان عندهم أسئلة كتير زي هي ماما هيحصلها زي بابا؟"

كان التحدي التالي أمام دعاء هي إقناع الطفلين الأكبر سنًا بالتعامل مع أبيهم الذي انفصل عن أمهم منذ فترة طويلة ولم يكن على تواصل معهم، تحكي دعاء: " الأولاد كانوا كارهينه لدرجة إن الولد مكانش عايز يقول لي اسمه الحقيقي علشان ما ينسبش نفسه له."

تواصلت دعاء مع الأب الذي اعترف لها بأنه أخطأ كثيرًا في حق أبنائه بعد الطلاق، وأنه على استعداد لتحمل مسئوليتهم والتعاون معها لكي يستعيد علاقته بطفليه مجددًا.

للأسف كانت المزيد من الأخبار السيئة بانتظار الأطفال بوفاة أمهم بعدها بأيام قليلة، فقد وصلهم خبر الوفاة في نفس اليوم الذي رفضوا فيه مقابلة الأب بشكل عنيف. وكان الدعم النفسي الذي قمته لهم دعاء – والذي تدربت عليه جيدًا ضمن تدريبات يونيسف على التعامل مع مثل هذه الحالات الصعبة – شديد الأهمية في هذا الوقت الصعب. تحكي: "كان لازم يبقى فيه حضن وطبطبة، الموقف كان صعب.. فجأة بنقوللهم إن مامتكم كمان ماتت وروحوا لباباكم اللي مش عايزينه."

كان الأب متعاونًا بالفعل، وبفضل جهود دعاء في الإرشاد الأسري الذي تلقت تدريبًا عليه من يونيسف استطاع الأب أن يقنع الأطفال بعد عدة أيام بإعطائه فرصة أخرى والسفر معه إلى كفر الشيخ حيث يقيم مع والدته لكي يبدأوا صفحة جديدة سويًا.

كيف تم إنقاذ أطفال من صدمة فقد أبويهم عبر التواصل السريع
يونيسف/مصر 2019/رحاب الدليل
تقول دعاء: "اتعلمت إننا في التعامل مع الأطفال لازم نكبر وداننا ونصغر بقنا علشان نقدر نستوعبهم أكتر."

بانتقال الأطفال لمحافظة أخرى، قامت دعاء بدورها الأخير بكتابة تقرير مفصل للجنة الحماية في محافظة كفر الشيخ لكي تتابع حالة الأطفال. وتعتبر هذه المتابعة والتعاون مع لجان الحماية في المحافظات الأخرى جزءًا أساسيًا من التدريبات مكثفة التي تلقتها من يونيسف حول سياسة حماية الطفل.

رغم أن تلك القصة أخذت الكثير من وقت دعاء الشخصي خارج نطاق ساعات العمل، إلا أنها تشعر بالامتنان تجاه التدريبات والخبرات التي تفيدها كثيرًا في التعامل مع أولادها، تقول: "اتعلمت إننا في التعامل مع الأطفال لازم نكبر وداننا ونصغر بقنا علشان نقدر نستوعبهم أكتر."

مركز حماية الطفل الذي تعمل به دعاء هو أحد المراكز التي أنشأتها يونيسف في أبريل 2019، ووفرت الدعم الفني والمالي - بتمويل من الاتحاد الأوروبي - لتجهيز دور كامل بالمؤسسة القومية لتنمية الأسرة والمجتمع بالإسكندرية ليصبح مركزًا لحماية الطفل.

يقوم المركز بتقديم الدعم والمساعدة المجانية للأطفال ضحايا العنف والإيذاء وفق منهج لإدارة الحالات وتحديد احتياجاتها من الدعم المادي والاجتماعي والنفسي  والصحي والقانوني.  بالإضافة لما يقدمه المركز من خدمات العلاج نفسي على يد الأطباء والمتخصصين، يقدم المركز كذلك خدمات دعم نفسي غير متخصصة مثل العلاج بالفن والأنشطة الترفيهية والتعليمية للأطفال وأسرهم.  منذ إنشائه، قدم المركز دعمًا لأكثر من 500 حالة في الإسكندرية تعرضت لأشكال مختلفة من العنف الجسدي والنفسي والجنسي.