الأسر اللبنانية في قلب الأزمة: أمهات لا يأكلنّ كي يوفرنّ الطعام الى أطفالهنّ

سقط لبنان في الإنهيار نتيجة سلسلة من الأزمات التي أدى تزامنها الى تفاقم نقاط الضعف وإغراق المزيد من الأسر في العوز الشديد. صحة الأسر تسوء تحت وطأة العبء الكبير.

يونيسف لبنان
Children playing together at a refugee camp
UNICEF2021/Kassem-Dabaji/Lebanon
13 آب / أغسطس 2021

منطقة درب السيم، الواقعة على ضفاف نهر يتمدد في ضواحي مدينة صيدا، بهدوء وجمال. لكن، بالنسبة الى 250 لاجئا سوريا- بينهم 150 طفلا- يعيشون هناك، فإن المخيّم العشوائي الذي يستوعبهم أشبه بمكانٍ يسوده البؤس والمرض والجوع.

رهف، أم لثلاثة أطفال يعيشون في واحدة من الخيم الأربعين في الموقع، تقول: "منذ هروبي من مدينة حمص في سوريا، تدهورت الأوضاع خلال سبعة أعوام تدريجيا، لكنها إنزلقت في الأشهر الثمانية عشر الأخيرة  كثيرا حتى باتت أشبه بكابوس حقيقي".

إتجه  لبنان نحو الإنهيار بسبب سلسلة أزمات تزامنت وأرخت بثقلِها عليه. فقد أدّت الأزمات الإجتماعية والإقتصادية والمالية الهائلة، ووباء كوفيد-19، وتفجيرات مرفأ بيروت في آب 2020، الى تفاقم نقاط الضعف، ودفعت بمزيد من الأسر نحو الإنهيار والعوز الشديدين، تاركة تداعيات كبيرة على صحّة الاطفال البدنية والنفسية وتعليمهم.

أظهر تقييم سريع أجرته اليونيسف في نيسان 2021 أن أكثر من ثلاث أسر من كل عشر لديها طفل واحد على الأقل إما ذهب الى الفراش بإمعاء خاوية وحالة جوع أو تخطى وجبة طعام.

Rehaf, holding her baby
UNICEF2021/Kassem-Dabaji/Lebanon

صحيح أن جميع الجنسيات تأثرت بما حصل، ووقعت كثير من الأسر اللبنانية في العوز الشديد، غير أن اللاجئين السوريين هم أكثر من تضرروا جراء هذا الإنهيار.

زوج رهف فقد عمله بسبب ضرورات قيود كوفيد-19 وتأثيرها على صمود المؤسسات المحلية وتقول: "أسعار المواد الغذائية ارتفعت للغاية لدرجة أنني أقف عاجزة عن توفير الطعام يوميا وبشكل كاف الى أسرتي. ونحن نعيش على الخبز والصعتر. يأكل أطفالي أولا، وإذا فاض عنهم شيئا أتناوله، وكم تمرّ أيام لا أتناول فيها شيئا على الإطلاق".

"يطلب مني أطفالي يوميا المزيد. يطلبون ما يتناولونه ويشبعهم، لكن ما عساي أقول لهم؟ أسعار الخضار باتت أكثر من قدرتنا على شرائها، ولم نتناول اللحوم منذ نحو عام".

كانت رهف تستدين من جيرانها لشراء الطعام والأدوية وتقول "لم يكن يتوافر معنا ما يكفي من مال من قبل لكن كان بإمكاننا، قبل عام، إدارة ما نحصل عليه. وكنت قادرة على سداد الديون في نهاية كل شهر أما الآن فأصبح ذلك شبه محال".

 أظهر المسح الذي أجرته اليونيسف أن 60% من الأسر في لبنان تضطر الى شراء الطعام إما عبر بطاقات الإئتمان أو الإقتراض- ترتفع هذه النسبة في حالات السوريين الى 100%.

Between the tents at the refugee camp in Darb El Seem
UNICEF2021/Kassem-Dabaji/Lebanon

تؤكد رهف أن الوضع المزري يؤثر للغاية على صحّة أطفالها وتقول "كنت أراقب طوال عام مضى أطفالي يعانون من النحول التدريجي".

لم يقتصر هذا التأثير على أطفال رهف فقط بل طالها هي وزوجها أيضا حيث واجها مرارا المرض بسبب سوء التغذية وتدهور الوضع الصحي في المخيم. وتقول "حين وصلنا الى هنا، الى حيث نعيش الآن، كنا بصحة جيدة، أما اليوم فنعاني من المرض في شكلٍ متكرر ونفتقر الى القدرة على شراء أي دواء".

لا تخفي الأم قلقها على مستقبل أطفالها وهي تنظر في عيونهم وهم يتحلقون حولها خلال حديثها. تقول "هذا المكان، حيث نحن، فظيع وغير مناسب لتربية أطفال وجعلهم يكبرون في أمان. صحيح أنني شعرتُ بقلقٍ كبير بعد إقفال المدارس. كنت أخشى على تعليمهم ومستقبلهم، لكن أكثر ما بتّ أخشاه اليوم هو تأثير الوضع الكارثي على صحتهم النفسية أيضا. عاش أطفالي فترة طويلة مجردين من العناصر الأساسية المطلوبة لنموهم التي تتلاشي تباعا".

ما هو الحلّ؟ سؤالٌ تطرحه رهف، وتتابع كمن وجد الحلّ: "نريد أن نغادر. كل ما نتمناه الآن أن نسافر الى أي بلد آخر. فلا يمكن أن تكون الحياة، في أي مكان آخر نذهب إليه، أسوأ مما نعيشه هنا". 

Women standing outside her tent at Darb El Selem camp
UNICEF2021/Kassem-Dabaji/Lebanon

تلعب اليونيسف دورا رئيسيا في الإستجابة لأزمة اللاجئين التي طالت وتمددت وللإنهيار الإقتصادي المدوي. وقد حققت بالفعل نتائج مهمة في إطار خطة الإستجابة للأزمات في لبنان، حيث وفرّت المياه والصرف الصحي والنظافة العامة والتعليم ودعم حماية الطفل، وذلك من خلال إنشاء منحة استفاد منها 70,000 طفل، كما تعمل اليونيسف مع منظمة العمل الدولية والسلطات الوطنية لتعزيز النظام الوطني للحماية الإجتماعية.