لا يمكنني أن أجد أخي الصغير

منذ ثلاثة أيام ونارجوف، ابنة الثمانية عشر ربيعًا، تنام على ضفاف النهر على أمل أن يتمكن شقيقها أيضًا من النجاة

UNICEF Sudan
Tigray Crisis
RespectMedia
08 كانون الأول / ديسمبر 2020

أنا هنا بانتظار أخي، ولا أجرؤ على المغادرة مخافة أن ينجح بعبور النهر ولا يجدني. مضى على وجودي هنا أربعة أيام، لم أصعد خلالها إلى مركز الاستقبال، وأنتظر من الآخرين أن يحضروا لي بعض الطعام

 

"قالت لي أمي أن أنتظر بجانب النهر."

تجلس نارجوف، 18 عامًا، عند ضفاف النهر وتستحمّ بملابسها. لم تغادر نارجوف هذا المكان منذ أسبوع تقريبًا، على أمل أن يلتم شملها بشقيقها من جديد.

قالت نارجوف: "أنا هنا بانتظار أخي، ولا أجرؤ على المغادرة مخافة أن ينجح بعبور النهر ولا يجدني. مضى على وجودي هنا أربعة أيام، لم أصعد خلالها إلى مركز الاستقبال، وأنتظر من الآخرين أن يحضروا لي بعض الطعام".

مركز الاستقبال في حمداييت، في ولاية كسلا شرق السودان، هو المكان الذي أقيم فيه موقع لتقديم الاستجابة الإنسانية الطارئة حيث يتم تسجيل آلاف النساء والأطفال والرجال الذين يعبرون إلى البلاد، وتقديم المساعدة العاجلة لهم.

فر ما يصل عدده إلى 46،000 لاجئ إلى السودان بحثًا عن برّ الأمان في أعقاب الصراع الذي اندلع في بداية تشرين الثاني/نوفمبر في منطقة تيجراي، في شمال إثيوبيا.

بدأت نارجوف تصف ما رأته هي وعائلتها بينما كانت تسرد لي كيف نجت العائلة من العنف.

"تعطل عمل الهواتف، وسمعنا عن عنف و قتل. كنا نجلس جميعًا في غرفة المعيشة ، وننتظر سيارة لكي تقلنا وتوصلنا إلى الحدود. وحين بدأت القنابل تتساقط، ركضنا بالملابس التي علينا، فقط لا غير."

انطلقت نارجوف وعائلتها من بيتهم في منطقة تيجراي في إثيوبيا، وركضوا لعدة أيام طلبًا للأمان في البلد المجاور؛ السودان.

"أخوي ضاع،" قالت نارجوف.

وظلت تكرر هذه الجملة التي تفطر القلب طوال المحادثة.

تشبّثت نارجوف بذراعي بقوة بكلتا يديها أثناء سيرنا لدقائق عديدة على حافة النهر، فوق الرمال والصخور. لحسن الحظ أن شمس الشتاء أبرد قليلاً، وهو أمر صغير لكنه يبعث على الراحة حيث أن المأوى والظل محدودَيْن بالنسبة لآلاف اللاجئين. على مسافة ما، كان الرجال يحاولون الحصول على بعض الخصوصية المحدودة للاستحمام خلف بعض الصخور، فعُدنا أدراجنا على الفور.

أتت فتاة صغيرة بعينيها الخضراوين الجميلتين وشعرها غير المرتب، وصارت تجري نحو نارجوف، ثم تبعتها حيثما ذهبت.

قالت نارجوف وهي تميل نحو الفتاة لتمسح لها وجهها بقطعة قماش مبللة حملتها بيدها، "لا أعرف هذه الطفلة، لكني سأعتني بها إلى أن تأتي عائلتها. هذا، إن أتت،"

من خلال محاولة نارجوف لتقديم المساعدة للفتاة الصغيرة التي لا يمكنها العثور على والديها ، يتضح أنها هي نفسها تعاني من صدمة نفسية مؤلمة.

"إني خائفة،" قالت والدموع تنهمر على خديها. وبعد برهة، انهارت نارجوف على الأرض وهي تحتضن رأسها بذراعيها. وأردفت: "لقد رأيت بأم عيني الناس وهم يُقتلون. لقد ضاع أخي".

هناك حاجة ماسة في مراكز العبور الواقعة في لودجي في القضارف وحمداييت في ولاية كسلا إلى المساعدات الفورية التي تشمل الغذاء والماء والمأوى والإسعافات الأولية والرعاية الطبية، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي. تبذل الأمم المتحدة وشركاؤها كل ما في وسعهم لدعم حكومة السودان ولتقديم خدمات المياه والصحة والتغذية، فضلاً عن النظافة وغيرها من اللوازم الأخرى من المواد غير الغذائية، وتعمل هذه الجهات على مدار الساعة لتلبية احتياجات الناس.

يشمل ذلك دعم النساء الحوامل والمرضعات والأطفال المصابين بصدمات نفسية وغيرهم ممن يحتاجون إلى الدعم النفسي والاجتماعي الفوري.

تقول نارجوف: "وصلتنا أنباء تفيد بأن والدي موجود في القضارف، وأنه أتى عبر معبر لودجي." وأضافت: "سوف ننتظر هنا، ولا نريد أن نغادر قبل أن نجد أخي".

عندما سُؤلت نارجوف عن المكان الذي تعلمت فيه التحدّث باللغة العربية، أخبرتني أن والديها كانا يعيشان في بورتسودان، وأن والدها عمل في وظيفة جيدة هناك." وأضافت: "ذهبتُ في طفولتي إلى مدارس سودانية، لذلك، فإن السودان بالنسبة لي هو كالوطن."

يأتي تدفق اللاجئين هذا في الوقت الذي يمر فيه السودان أصلًا بحالة من الطوارئ الإنسانية الكبرى والمعقدة. قد خلّفت الفيضانات غير المسبوقة التي حدثت منذ تموز/يوليو أكثر من 875 ألف شخص ممن هم في حاجة إلى المساعدة. كما أدى التضخم السريع إلى ارتفاع حاد في الأسعار، ولا تزال المياه الراكدة والملوثة تشكل مخاطر صحية جدّية إلى جانب التهديد الإضافي الناتج عن "كوفيد-19". تستضيف ولاية كسلا - التي تضررت بشدة من الفيضانات – أعدادًا من اللاجئين الوافدين، مما يضع المزيد من الضغوط على الموارد وعلى المجتمعات المحلية المُضيفة.

"لدي أخ يعيش في كندا. هل تعتقدين أننا سنتمكن من الذهاب إليه؟" تساءلت نارجوف، وعلّقت: "الله موجود. وسوف يحمينا ".

يبلغ عدد سكان منطقة تيجراي حوالي 5 ملايين نسمة، وتستضيف المنطقة منذ ما قبل هذه الأزمة حوالي 600،000 شخص ممن يعتمدون على مساعدات الإغاثة، بما في ذلك 400،000 شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، و100،000 نازح، وحوالي 96،000 لاجئ، وما يقرب من 16،000 مهاجر عائد. كان الناس أثناء تواجدهم في مناطق مجاورة في إثيوبيا وغيرها من دول الجوار يكافحون أصلًا آثار "كوفيد-19" وغيرها من الكوارث والأزمات، منها الفيضانات وانعدام الأمن الغذائي وتفشي الآفات. أدى انتقال السكان نتيجة الوضع في منطقة تيجراي إلى تفاقم تأثيرات هذه الأزمات، مما يجعل الناس أكثر عرضة للخطر، وأكثر هشاشة.