"لم نبلغ مرحلة عدم قدرتنا على توفير الطعام لأنفسِنا، لكن قد لا يمضي وقتا طويلا الى ذلك"

لم تكن الحياة في لبنان من قبل كريمة، مع أسرٍ كثيرة، بينها أسرة فاديا. لم تكن الحياة مريحة لكن كان العيش شبه مستديم. تقول فاديا: "ليس لدينا ما يكفي من مال هذه السنة لتخطّي فصل الشتاء"

يونيسف لبنان
Fadia and her husband sitting outside of their house
UNICEF2021/Fouad-Choufany/Lebanon
23 تشرين الثاني / نوفمبر 2021

لا تملك فاديا سوى القليل لتقدّمه، بخلاف حرارة ترحيبها بضيوفها. فها هي ترحّب بنا للمرة الثانية على التوالي، في غضون سنة واحدة، مع كثير من التمنيات الطيّبة وضيافة الشاي. لكن، لا سكّر للشاي "فالأوقات صعبة" تقول فاديا مضيفة "علينا تقليص إستخدام ما يمكننا الإستغناء عنه".

لم تكن الحياة في لبنان من قبل كريمة، مع أسرٍ كثيرة، بينها أسرة فاديا. ثمة أناس يعيشون حياة هشّة على أطراف مزرعة موز في قرية السماعيّة الريفية، في ضواحي مدينة صور، في جنوب لبنان. قضى زوج فاديا حياته في قطاف الفاكهة، وكان ينتقل من حقلٍ الى حقل، مع تبدل الفصول ونضوج الثمار المتنوعة. وما يكسبه في الصيف والخريف كان يكفي أسرته خلال الشتاء ريثما يعود ويطل الربيع، ليعود من جديد ويسرح في الحقول. لم تكن الحياة مريحة لكن كان العيش شبه مستديم.

تقول فاديا: "ليس لدينا ما يكفي من مال هذه السنة لتخطّي فصل الشتاء".

في ظلّ الأزمة الإقتصادية المتمادية في البلاد، قفزت الأسعار في شكلٍ صاروخي الى أبعد المستويات وما عاد الكثيرين قادرين على التحكم بها.. فبين حزيران/ يونيو العام 2019 وحزيران/ يونيو 2021 بلغ معدل التضخم في لبنان 281%، وارتفعت أسعار كثير من المواد الغذائية خمسة الى ستة أضعاف، وارتفعت أسعار المحروقات أكثر من عشرة أضعاف.

في لقائنا الأخير معها، في نيسان/ أبريل 2021، كان ولداها هادي وعبدالله قد توقفا عن الذهاب الى المدرسة وحتى عن متابعة دروسهما عبر الإنترنت وبدآ يعملان، جنبا الى جنب، مع والدهما في قطاف الحمضيات. ومع بداية إنتهاء الموسم الزراعي ما عاد أحدا قادرا على جني المال.

يوم التقينا بها، أطلعتنا فاديا على قلقها على مستقبل أسرتها. قالت "أن أكثر ما يقلقني هو عدم قدرتنا على توفير الطعام الى أفراد الأسرة. وهذا ما لم أكن أشعر به من قبل".

الوجبة العائلية اليوم لا تتعدى حساء العدس مع البطاطا والبندورة، والبارحة كانت كناية عن خيار بالبطاطا والبندورة. فمع إرتفاع الأسعار الصاروخي أصبحت الخيارات الممكنة محدودة، أقل من أصابع اليدّ الواحدة. والوجبات تتكرر بشكل غير صحيّ وبالكاد تشتمل على اللحوم والخضار المتنوعة التي أصبحت بمثابة ذكريات بعيدة المنال لتلك الأسرة المكونة من أربعة أفراد. ويرجح أن تكون وجبتهم المقبلة عبارة عن بعض الخبز مع الصعتر- وهي وجبة لطالما كانت عنصرا أساسيا لسكان المنطقة طوال عقود طويلة، لكن لم يسبق أن تمّ تناولها كوجبة وحيدة يوميا.

"لم نبلغ بعد المرحلة التي لا نستطيع فيها توفير الطعام لأنفسنا، لكننا لسنا ببعيدين عن هذا"

"لم نبلغ بعد المرحلة التي لا نستطيع فيها توفير الطعام لأنفسنا، لكننا لسنا ببعيدين عن هذا".

نظرا لانخفاض المبلغ النقدي المتوافر لتأمين القوت اليومي، لجأت الأسرة الى تخفيض كمية الطعام ونوعيته في مواجهة حالة الضعف الشديدة التي تمر بها. وفي وقتٍ بدأت تهب فيه رياح الخريف، بدأت العاصفة تهز سقف المنزل مذكرة أهله بفصل الشتاء الداهم الطويل الذي ينتظرها.

قبل عشرة أشهر، عصفت الرياح بسقف منزل تلك الأسرة، على الرغم من أن الأب وطفليه بذلوا قصارى جهدهم للحفاظ عليه سليما، إلا أنه في كلِ مرة تتساقط فيها الأمطار، تغمر الغرفة الوحيدة التي يتشاركون العيش فيها المياه. هنا تصرّ فاديا على توقع الأسوأ قائلة: "لن ننجو على الأرجح من العواصف المقبلة".

حاليا، مصدر الدعم الوحيد للأسرة هو من خلال منحة الأطفال النقدية من اليونيسف "حدّي" (ويُقصد بالكلمة "الى جانبي"). تحت هذا العنوان "حدّي"، تتلقى الأسر التي لديها طفل واحد مسجل منحة بقيمة 40 دولارا أميركيا شهريا، والأسر التي لديها طفلان تنال 60 دولارا شهريا، أما الأسر التي لديها ثلاثة أطفال وما فوق مسجلين فتنال 80 دولارا شهريا. وتعتبر تلك الأسر منحة "حدي" شريان الحياة لبقائها على قيد الحياة. فتلك المبالغ بالدولار الأميركي تساعدها على ردم بعض الهوة نتيجة تناقص قيمة العملة المحلية. إنها منحة حيوية للغاية في هذا الوقت الصعب.

كشفت دراسة أجرتها اليونيسف لأسر وأطفال تلقوا منحة "حدّي" النقدية أن مستوى ضعف هؤلاء بلغ حدا هائلا وأن الأزمة الإقتصادية السائدة تتسبب بخسائر فادحة، حيث إضطرّت جميع الأسر تقريبا الى خفض الإنفاق على الأطفال، وعلى خفض أكثر من 90% من الغذاء، وتأجيل ثلاثة أرباع الزيارات الصحيّة. وما يثير القلق أكثر أن نحو ثلث الأسر أفادت أنها اضطرّت الى إرسال طفل الى العمل. يوفّر برنامج "حدّي" إستجابة فورية لاحتياجات الأطفال المختلفة.

حدّد شركاء اليونيسف أن الأطفال المعرضين للخطر بحاجة ماسة الى خدمات تكميلية ذات أولوية عالية، بينها تعليم الأطفال المستبعدين من التعليم، وضرورة حماية الأطفال المعرضين لخطر العمالة المبكرة، أو الدعم الغذائي للأطفال الذين يعانون من نقص التغذية.

Fadia, supported by haddi programme
UNICEF2021/Fouad-Choufany/Lebanon

مع إستمرار إرتفاع الأسعار، فإن الدعم النقدي المقدم بالكاد يبقي الأطفال في حالة تغذوية مناسبة، وهناك فرص محدودة لتخصيص أي من التكاليف المستقبلية للحاجيات الأخرى الملحة المتنوعة. فالأسرة بالكاد تحوز ثيابا تزيد عما يرتديه أفرادها حاليا، وستجد صعوبة مماثلة في تغطية النفقات الطبية في حالة مرض الأب أو الأولاد. تعقد فاديا اليدين وتنظر نحو السماء قائلة: "إننا نتمتع حاليا بصحة جيدة". لكن ماذا يضمر المستقبل القريب لنا فتلك هي الحكاية المقلقة.

في الوقت الحالي، ما يريح فاديا أن لا ديون على كاهل الأسرة. هي تدرك مدى سهولة أن تدخل الأسرة نفق الديون، كما تدرك مدى صعوبة النجاة من ذاك النفق. لذا تركّز فاديا على وجوب عدم الإستدانة. مع ذلك، ومع إقتراب فصل الشتاء، يبدو حرص تلك الأم على إدارة الأمور كما تشاء مستحيلا.

هادي، البالغ من العمر 15 عاما، كان في المدرسة حين زرنا منزله. إنه اليوم الخامس على عودته إليها بعد أكثر من عام على إبتعاده عنها. هو سعيد بوجوده هناك. في هذا الإطار، تشير فاديا الى أن طفلها يرتدي نفس الثياب ونفس الحذاء يوميا. هي تدرك مدى الحاجة الى تخصيص بعض المال شهريا لشراء بعض الملابس الجديدة لولدها الذي يكبر بسرعة، وعليها إدارة صرف المال بإحكام للتمكن من شراء ما قد يحتاج إليه في القريب العاجل.

في تلك الأثناء، نرى شقيق هادي ويدعى عبدالله، ويكبره بعامين، مستلقيا على حصيرة على أرض المنزل. تنظر نحوه فاديا وتقول: "هو رفض العودة الى المدرسة. شعر عبدالله أنه لن يتمكن من الإلتحاق بها بعد أن فاته الكثير من التعلّم في العامين الماضيين. وامتناعه أيضا مرده الى علمه أنه لن يجد عملا في كل الأحوال. تتابع: يبلغ عبدالله 17 عاما فقط وبدل ان يكون مفعما بالأحلام أراه قد فقد الأمل بالآتي".

بينما تودعنا فاديا بكثير من الودّ عند الباب تدعونا للعودة قريبا.

تستمرّ الأسرة حاليا، من خلال برنامج "حدي"، في الحصول على الدعم. في هذا الإطار، ستعمل شريكة اليونيسف المنفذة "أرض الإنسان- لوزان" مع عبدالله ليتعرّف على برنامج التدريب المهني الذي يقدّم المهارات التي ستساعده على الدخول الى سوق العمل.

على الرغم من الدعم المستمر، فهناك إحتمال كبير أن لا تجد فاديا في المرة القادمة، حين نزورها، ما تقدمه مثل السكر الذي غاب عن منزلها اليوم. 

 

تعرّف على المزيد حول إستجابة اليونيسف للأزمات المتعددة التي تضرب لبنان: https://uni.cf/3nxoz9o