"لم أعد أملك شيئا لأبيعه كي أطعم أطفالي: لم يبق بحوذتي أيّ شيء لأقدّمه"

حتى العام 2019، عاشت حنان حياة جدّ عادية لكن سعيدة. مشهدية حياة حنان إختلفت تماما في 2021. وهذا ما شهدناه حين زرناها في منزلها

يونيسف لبنان
Twenty-nine-year-old Lebanese mother Hanan
UNICEF2021/Fouad-Choufany/Lebanon
23 تشرين الثاني / نوفمبر 2021

مع إستفحال الأزمة الإقتصادية غير المسبوقة في لبنان، تستمرّ نسبة الاشخاص الذين وقعوا في الضائقة الشديدة في الإرتفاع في شكلٍ كبير. فقد شهد العامان المنصرمان تضاعفا في معدل الفقر الى أكثر من 82%. وأصبح نحو 4 ملايين شخص اليوم في خانة فقر، يمثلون نحو مليون أسرة، بما فيها 745,000 أسرة لبنانية. ولكلّ أسرة قصتها الخاصة التي تكشف عن كثير من القلق واليأس الكامن في نفوس أفرادها.

حنان، أمّ لأربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 سنوات و13 سنة. كان زوجها يملك صالون للحلاقة قرب المنزل في منطقة أبو سمرا، في إحدى ضواحي مدينة طرابلس في شمال لبنان. ولطالما كان التعليم يمثل إليها أولوية. كانت حنان فخورة جدا بمستوى أداء أطفالها الأربعة في المدرسة.

حتى العام 2019، عاشت حنان حياة جدّ عادية لكن سعيدة.

صحيح أن حياتها كانت تخلو من الرفاه إلا أنها تتذكر جيدا أنه كان بإمكانها منح أطفالها ما يحتاجون إليه. كانوا يحصلون على الغذاء الجيّد والملبس الحسن ويشعرون بالأمان.

مشهدية حياة حنان- 29 عاما- إختلفت تماما في 2021. وهذا ما شهدناه حين زرناها في منزلها.

"إضطررتُ الى بيع السجادة والتلفاز وها أنا الآن أبيع ما تبقى من أثاث واحدا تلو الآخر لأحصل بثمنه على ما يكفي من مال يكفينا لنبقى أحياء"

تعتذر حنان عن سرير طفلتها الذي يعيق العبور الى المنزل وتقول: "هو ما تبقى لدينا حتى الآن". تحجب نظرها قليلا وهي تتابع كلامها "إضطررتُ الى بيع السجادة والتلفاز وها أنا الآن أبيع ما تبقى من أثاث واحدا تلو الآخر لأحصل بثمنه على ما يكفي من مال يكفينا لنبقى أحياء". مالك الشقة التي تسكن فيها سيأخذ اليوم سرير طفلتها.

في لبنان اليوم، آلاف الأسر تعيش من قلة الموت. أسر تعيش متعثرة قلقة تتألم. وبالنسبة الى كثير من تلك الأسر لم تكن الحياة قبل العام 2019 سهلة لكن كان ممكنا إدارتها بطريقة ما.

الى ذلك، تراكمت الأزمات المركبة، المعقدة، لجهة عدم الإستقرار في البلاد والإنهيار الإقتصادي العارم وتفشي جائحة كوفيد-19 في المجتمع وتفجيرات مرفأ بيروت في آب/ أغسطس 2020 لتُشكل معا ضربة قوية، ثقيلة، فاقمت من تأزم نوعية الحياة التي يعيشها معظم سكان البلاد. فارتفعت معدلات البطالة في شكل كبير، حيث بلغ معدل التضخم في العامين اللذين سبقا تموز/ يونيو 2021 أكثر من 281%.

كل تلك الأزمات المتراكمة، أجبرت زوج حنان طارق على إغلاق محله عام 2020 بسبب الديون المتراكمة عليه. واستولى المالك على كل ما في داخله من أدوات وأجهزة قيّمة كان يستخدمها في عمله.

ومع عدم تمكن الأسرة من الحصول على الدخل الذي يمكّنها من مواجهة إرتفاع الأسعار المتزايد، وعدم تمكن حنان من العثور على المال لتغطية تكاليف إنتقال أطفالها الى مدرستهم، لم يتمكن صغارها لأول مرة من الإلتحاق بها.

لكن، في اليوم الذي زرناها فيه، بدا أطفال حنان سعداء بعد أن عادوا الى صفوفهم.

إقترض والدهم طارق ما يكفي من مال، تمكّن من خلاله من إعادة شراء بعض المعدات الأساسية التي خولته كسب المال مجددا، من خلال قص الشعر وتقليم اللحى. وها هو يسير في شوارع أبو سمرا مقدما خدماته الى المارة. حصل طارق أخيرا على وظيفة في صالون للحلاقة، يعمل فيه ستة أيام في الأسبوع ويكسب 150 ألف ليرة أسبوعيا (أي ما يوازي 7,50 دولارا أميركيا حسب أسعار الصرف في السوق السوداء).

على الرغم من ذلك، تخبرنا حنان عن خشيتها من عدم تمكنها من سداد تكاليف مواصلات أطفالها الأربعة قريبا. وتتذكر: "كنت أدفع قبل العام 2019 نحو 1000 ليرة لبنانية يوميا أجرة إنتقال كل طفل الى المدرسة أما اليوم فنحتاج الى 10,000 ليرة على الأقل يوميا. ولا نملك 40,000 يوميا لسداد كلفة الطعام ناهيكم عن كلفة التعليم فكيف نسدد هذا المبلع أجرة المواصلات".

تمسح حنان دمعتين سقطتا على خديها وتتابع سرد قصتها بألم يعصر قلبها، لكنها تبدو مصرة على أن تخبر واقعها. فتقول: "إعتدنا دائما على تربية أطفالنا بأفضل طريقة ممكنة، لذا فإن التكيّف مع حياتنا الجديدة يبدو شبه مستحيل ويؤثر للغاية عليهم".

أصيبت إبنة حنان الكبرى بوباء جلدي بسبب الإكتئاب الذي تشعر به. ويعمل إبنها البالغ من العمر 13 عاما، بعد عودته من مدرسته، في غسيل السيارات ليكسب 5000 ليرة لبنانية، وهو ما يعادل 25 سنتا يوميا.

صحّة حنان- 29 عاما- ليست أيضا بخير، على الرغم من أنها تبدو عكس ذلك ظاهريا. فالظروف القاهرة التي تمر بها وضغوطات ظروف الحياة التي تعيشها جعلتها تصاب بسكتة دماغية طفيفة، لكن، بدعم من والدتها التي تزورها دوريا بقيت الأسرة متماسكة.

تبدو حنان قلقة جدا ايضا لناحية إيجار المنزل الذي ارتفع من 300,000 ليرة الى 700,000 ألف ليرة. هي تخشى كثيرا من فقدان منزلها أيضا ما يجعل أسرتها في الشارع.

"لا أحد قادر اليوم على إدارة حياته بمفرده"

تقترب حنان منا أكثر وتقول بهمس: "لا يمكنني التحدث حتى مع والدتي حول هواجسي وخوفي من المستقبل. فلا أحد قادر اليوم على إدارة حياته بمفرده، ولا اريد أن أضيف هما الى هموم والدتي في شان إبنتها وأحفادها".

لم يكن يسود اليأس الشديد بين اللبنانيين، جراء ندرة المال وتراجع القدرة المالية، من قبل، فحتى أثناء الصراع الداخلي إستمرّ الإقتصاد الوطني منتعشا. لهذا، تبدو وصمة الفقر ثقيلة جدا على اللبنانيين المعوزين للغاية حاليا. في هذا الإطار تقول حنان: "يشعر أطفالي حاليا بالخجل مما آل إليه وضعنا. أحيانا نرى بعض الناس يقدمون الخبز لضعفاء الحال في الشارع، لكن إبني يتوسل إليّ كي لا أذهب إليهم للحصول على بعض الخبز، رغم معرفته أننا بحاجة ماسة إليه".

حتى وجبات الطعام التي تُحضرها حنان لأطفالها، وهم ذاهبون الى المدرسة، تصغر يوما بعد يوم. تقول: "حقائبهم المدرسية لم تحتوِ اليوم، لأول مرة، على شيء إلا الكتب. ليس لديّ شيء أقدمه إليهم". تمسح دموعها وتتابع :لم يبق لدي شيء أبيعه لإطعامهم, لم يبق لديّ أي شيء أقدمه".

أعادت اليونيسف تركيز جهودها لدعم الأسر المحاصرة تحت وطأة الأزمة الإقتصادية غير المسبوقة التي تسببت بتدهور العملة الوطنية. فالاسعار ارتفعت بشكلٍ صاروخي، والأسر تكافح في سبيل شراء أبسط المواد الأساسية. تجاه كل ذلك: "عززنا مساعداتنا الإجتماعية، وقدمنا الدعم في حالات الطوارئ لتجنّب إنهيار خدمات المياه العامة، كما ندعم  آلاف الأطفال لضمان حصولهم على خدمات التعليم والرعاية الصحيّة وحماية الطفل. ومع ذلك، تستمرّ الإحتياجات هائلة لذا تحتاج اليونيسف الى مزيد من الدعم للوصول الى الأطفال الأكثر ضعفا".

تعرّف على المزيد حول إستجابة اليونيسف للأزمات المتشعبة التي تضرب لبنان: https://uni.cf/3nxoz9o

 

 

*تمّ إخفاء هوية الأسرة الحقيقية وتغيير أسماء أفرادها بناء على طلبهم.