صبحي والقدرات الكامنة

طفل متوحد تم اكتشاف قدراته الحسابية الكامنة في مدرسة حكومية دامجة بالإسكندرية بفضل معلمة لا تعرف اليأس

داليا يونس
يونيسف/مصر 2019/رحاب الدليل

03 كانون الأول / ديسمبر 2019

الإسكندرية، مصر - "صبحي ده بيعمل مشاكل على طول، ومش بيقعد ومش بيقرا ومش بيكتب." هكذا وصفه زملاؤه لمعلمتهم هناء بعد أن سألتهم عن سبب رفضهم للجلوس بجانبه في الفصل.  هناء محمد علي هي معلمة رياضيات بمدرسة عزيز أباظة الابتدائية بالإسكندرية، وكانت هذه هي تجربتها الأولى مع صبحي الذي يعاني من التوحد في الصف الرابع الابتدائي.

سألته هناء كيف يرى الأمور من جانبه هو  ، فأجابها: "هم مش بيحبوني علشان مش بعرف أتكلم." لاحظت هناء بالفعل أن الطفل يتكلم بصعوبة وكلامه غير مفهوم بسهولة، فبدأت بسؤال زملائه عنه أكثر ، وتوصلت لمعلومة مهمة: صبحي لديه أخت توأم في الفصل المجاور.

رأت  هناء أن تواجد  أخته في نفس فصله ربما يساعد على اندماج صبحي وتواصله مع زملائه بشكل أكثر سلاسة، فكانت المفاجأة أن الأخت رفضت ذلك رفضًا تامًا!

تروي هناء أن أخته قالت لها: "يا ميس هو بيعطلني وبيأخرني، حتى في البيت ماما دايمًا بتقوللي خدي صبحي أكليه وهاتيله  حاجات وذاكري ليه وسمعيله، وبتقوللي انتي مهتمية بنفسك وسايبة صبحي، فأنا لما صدقت يا ميس إني سبته ورحت الفصل التاني.. كتير عليا كدة، أنا عايزة أشوف مستقبلي!"

يونيسف/مصر 2019/رحاب الدليل
أحست هناء بالتعاطف الشديد مع الطفلين، فأحدهما يعاني من اضطراب لا ذنب له فيه، والأخرى تتحمل مسئولية مبكرة لا ذنب لها فيها كذلك

شعرت هناء بالتعاطف الشديد مع الطفلين، فأحدهما يعاني من اضطراب لا ذنب له فيه، والأخرى تحمل مسئولية مبكرة لا ذنب لها فيها كذلك، فطلبت التواصل مع الأم تليفونيًا لتناقش معها الموقف وتلفت انتباهها أن الأخت تشعر بالعبء الشديد الذي يؤثر على علاقتها بأخيها.

في اليوم التالي، كانت هناء تشرح درس "مئات الألوف" للأطفال، وكتبت سؤالًا تمهيديًا على السبورة عبارة عن رقم مكوّن من أحاد وعشرات ومئات وألوف، ثم طلبت من الأطفال أن يقرأ أحدهم الرقم المكتوب.

رفع صبحي يده طالبًا الإجابة، لكن رد فعل زملائه في الفصل كان مخيبًا للآمال. تحكي عنه هناء وتقول: "الفصل كله قال لي يا ميس مش بيعرف يقرا.. بس أنا قلتلهم ملكوش دعوة، وطلعت صبحي جنبي على السبورة وقلتله اتفضل اقرا."

قرأ صبحي الرقم بشكل خاطئ لأنه بدأ من اليمين إلى اليسار، فصححت هناء طريقته في القراءة وطلبت منه أن يحاول مرة أخرى.  أثناء محاولته، صاح أحد الزملاء ساخرًا: "والله يا ميس مش هيعرف يقرا"، فطلبت منه هناء أن يتقدم ليقف بجانبه أمام السبورة ويقرأ الرقم، ليفشل الطفل المتنمر في ذلك!

بعدها بلحظات – بعد أن أخذ فرصته في التفكير مرة أخرى – قرأ صبحي الرقم بشكل صحيح. سادت حالة من الذهول في الفصل، ثم ضج بالتصفيق لصبحي ربما للمرة الأولى منذ فترة طويلة.

An autistic child begins to discover his arithmetic potential at an inclusive public school in Alexandria thanks to a teacher

تحكي هناء أنه منذ ذلك الحين، صار صبحي من أكثر المشاركين في الحصة، وأن والدته اتصلت بها لتشكرها وتدعو لها ، وقد طلبت منها هناء أن تقابلها لكي تساعدها أكثر في التعامل بشكل أفضل مع هذين الطفلين.

تلقت هناء تدريبًا من قبل منظمة يونيسف على دمج الأطفال القادرين باختلاف مع زملائهم داخل الفصول، وقامت المنظمة كذلك بتجهيز غرفة المصادر في نفس المدرسة لكي يتلقى هؤلاء الأطفال دعمًا دراسيًا  إضافيًا من خلال جلسات فردية أو فى مجموعات صغيرة.

المدرسة التي تعمل بها هناء هي واحدة من المدارس الدامجة في الإسكندرية التي تدعمها يونيسف في إطار برنامج "التوسع في الحصول على التعليم والحماية للأطفال المعرضين للخطر في مصر" والذي يتم تمويله من الاتحاد الأوروبي. وقد تلقت هناء والعديد من المعلمين الآخرين تدريبات دعمتها المنظمة بالشراكة مع جامعات  عين شمس، و الإسكندرية، و الزقازيق لدعم التنمية المهنية في مجال الدمج في التعليم.

حتى تاريخه، تم تجهيز 290 مدرسة في محافظات: الإسكندرية والبحيرة  والغربية وسوهاج وأسيوط وقنا  ومطروح، لتوفير بيئة تعليمية تدعم  أساليب التعلم المختلفة وفرص تعليمية تتميز بالجودة لكافة الأطفال على حد سواء . ويشمل ذلك التدريب على   تشخيص وقياس  حالات الطلاب ذوي الإعاقة  من خلال استخدام مجموعة متنوعة من الأدوات،  وتوفير الوسائل التعليمية المناسبة، ونشر الوعي بقضايا الدمج المختلفة.

وبحلول عام 2020، يستهدف البرنامج تلبية احتياجات حوالي 6000 طفل من القادرين باختلاف والمقيدين فى 290 مدرسة ابتدائية حكومية. ومن ثم، فمن المتوقع أن يستفيد من هذا البرنامج أيضًا  ما يقرب  من  100 ألف طفل بهذه المدارس  عبر توفير بيئة صديقة للطفل وأكثر ملاءمة لتحقيق التعلم  الجيد .

يونيسف/مصر 2019/رحاب الدليل
أثناء محاولته قراءة الرقم الطويل، صاح أحد زملاء صبحي ساخرًا ومتنمرًا "والله يا ميس مش هيعرف يقرا"، فطلبت منه هناء أن يتقدم ليقف بجانبه أمام السبورة وقراءة الرقم ليفشل الطفل المتنمر في ذلك! بعدها بلحظات – بعد أن أخذ فرصته في التفكير مرة أخرى – قرأ صبحي الرقم بشكل صحيح.