ماري وأبطالها الصغار

قصة نجاح مدرّسة في دمج أطفال قادرين باختلاف

داليا يونس
يونيسف/مصر 2019/ريحاب الدليل

27 تشرين الثاني / نوفمبر 2019

"دخلت الفصل وقلت صباح الخير، كلهم وقفوا وردوا عليا إلا هو"

لم تأخذ ماري ظريف - أستاذة الدراسات الاجتماعية بمدرسة عزيز اباظة الابتدائية بمحافظة الإسكندرية - موقفًا عدائيًا من الطفل الذي لم يرد التحية، وإنما اقتربت منه لتفهم.

عرفت أن اسمه محمود، وأنه مصاب بالتوحد، ولا يحظى بشعبية كثيرة في الفصل نظرًا لأسلوبه ومظهره الغريبين. كانت تلك المرة الأولى لماري في التعامل مع طفل من القادرين باختلاف، وشجعها على المحاولة ما تعلمته في التدريبات التي تلقتها من يونيسف حول الدمج في التعليم من حيث خصائص وتقييم واستراتيجيات التدريس للأطفال القادرين باختلاف.

بعد الحصة، طلبت ماري من محمود أن يتحدثا بعيدًا عن الفصل وسألته عما به، قال لها: "بصي.. قلبي فيه لحم.. أنا عايز أشيل قلبي وأحط حجر علشان القلب الحجر مش بيتأثر ولا بيحزن." 

يونيسف/مصر 2019/ريحاب الدليل
قالت ماري لمحمود أن الحب قادر على تحقيق العديد من الأشياء، فرد عليها قائلًا: "افرضي عندك عمارة جاية ناس تهدها.. الحب هينفعها؟" فقالت: "أيّوا، الحب يخلي الناس تقف مع بعض وتمنع إن العمارة تتهد!"

صُدمت ماري من قسوة التعبير الذي استخدمه طفل في المرحلة الابتدائية، وعرفت أن الطفل يتألم كثيرًا لأن زملاءه لا يحبونه أو يلعبون معه، بل أحيانًا يقومون بضربه لأن العالم -حسب تعبيره- "غابة، وكله بياكل في بعضه."

قالت ماري لمحمود أن الحب قادر على تحقيق العديد من الأشياء، فرد عليها قائلًا: "افرضي عندك عمارة جاية ناس تهدها.. الحب هينفعها؟" فقالت: "أيوة، الحب يخلي الناس تقف مع بعض وتمنع إن العمارة تتهد!"

بعد أن فتحت بابًا للحوار وخلفت مساحة آمنة كما تدربت، تحكي ماري أنها بدأت تلمح في عينيه بعض الاستجابة، فقررت أن تستغل الفرصة وتطلب منه أن يحاول الاهتمام بنظافته الشخصية بعض الشيء ليحبه الزملاء أكثر، وبالفعل جاء في اليوم التالي بمظهر مختلف جدًا، فقد كان نظيفًا مهندمًا عطر الرائحة. سألها بحماس: "حلو كدة يا ميس ماري؟"، فكانت مكافأته على اهتمامه

بطلبها وقتًا مقتطعًا من الحصة للعب الكرة. بعد أشهر قليلة، لاحظت ماري تغيرًا إيجابيًا ملحوظًا في مستوى محمود الدراسي واهتمامه بالمشاركة في الأنشطة والاحتفالات. تقول: "حتى الأطفال اللي عندهم نفس نوع الإعاقة، فهم محتاجين معاملة تناسب شخصية ونفسية كل واحد فيهم."

كانت تجربة أخرى مع القادرين باختلاف بانتظار ماري، ولكن هذه المرة مع طفلة ضعيفة السمع.

في البدء، لم ترَ ماري أمامها سوى طفلة تجلس في الصفوف الأخيرة ولا يبدو عليها متابعة الشرح، لكن عندما لاحظت وجود سماعة في أذن الصغيرة مريم، قررت أن توليها عناية خاصة داخل الفصل المزدحم الصاخب. غيّرت ماري مكان جلوس مريم لكي تصبح أمامها مباشرة، وحرصت على إعادة الشرح أكثر من مرة باستخدام حركات يديها والكلام بصوت أعلى ونطق الحروف بشكل أوضح حتى يسهل على مريم – التي تجيد قراءة الشفاه – متابعة الشرح.

يونيسف/مصر 2019/ريحاب الدليل
لما علمت أنها من ضعاف السمع، غيّرت ماري مكان جلوس مريم لكي تصبح أمامها مباشرة، وحرصت على إعادة الشرح أكثر من مرة باستخدام حركات يديها والكلام بصوت أعلى ونطق الحروف بشكل أوضح حتى يسهل على مريم – التي تجيد قراءة الشفاه – متابعة الشرح.

تقول ماري: "أول يوم دخلت الفصل، زمايلها قالولي دي مبتسمعش. لما خليتها تكرر ورايا بعد ما اتكلمت معاها بوضوح وخليت الفصل يسقفلها لما عرفت تقول صح، جت حضنتني تاني يوم.. من ساعتها الولاد اتشجعوا يتكلموا معاها أكتر لما لقوا إن الطريقة دي بتخليها تسمعهم وتتفاعل معاهم."

المدرسة التي تعمل بها ماري هي واحدة من المدارس الدامجة في الإسكندرية التي تدعمها يونيسف في إطار برنامج "التوسع في الحصول على التعليم والحماية للأطفال المعرضين للخطر في مصر" الذي يتم بالتمويل من الاتحاد الأوروبي. وقد تلقت ماري والعديد من المدرسين الآخرين تدريبات دعمتها يونيسف بالشراكة مع جامعة عين شمس، وجامعة الإسكندرية، وجامعة الزقازيق لدعم التطوير المهني في مجال الدمج في التعليم.

حتى الآن، تم تجهيز 55 مدرسة في محافظات: الإسكندرية وسوهاج والغربية ومطروح، لاستيعاب جميع أساليب التعلم وتوفير تعليم جيد لجميع الأطفال. ويشمل ذلك التعرف على الطلاب الذين يعانون من صعوبات في التعلم من خلال استخدام مجموعة متنوعة من الأدوات،  وتوفير الوسائل التعليمية المناسبة، والوفاء بمعايير إمكانية الحصول على التعليم.

وبحلول عام 2020، يهدف البرنامج إلى تأهيل 200 مدرسة ابتدائية حكومية لتلبية احتياجات حوالي 6000 طفل من القادرين باختلاف، وهو الخطوة التي سيستفيد منها - بالتبعية - أكثر من 100 ألف طفل عبر توفير بيئة أكثر ملاءمة للتعليم الجيد في المدارس المستهدفة.

يونيسف/مصر 2019/ريحاب الدليل
تقول ماري: "أول يوم دخلت الفصل، زمايلها قالولي دي مبتسمعش. لما خليتها تكرر ورايا بعد ما اتكلمت معاها بوضوح وخليت الفصل يصقفلها لما عرفت تقول صح، جت حضنتني تاني يوم.. من ساعتها الولاد اتشجعوا يتكلموا معاها أكتر لما لقوا إن الطريقة دي بتخليها تسمعهم وتتفاعل معاهم."
يونيسف/مصر 2019/ريحاب الدليل
قالت ماري: "حتى الأطفال اللي عندهم نفس نوع الإعاقة، محتاجين معاملة تناسب شخصية ونفسية كل واحد فيهم."