نحن بصدد تجديد الموقع الإلكتروني لمنظمة اليونيسف.
الموقع هو في مرحلة انتقالية حيث نقوم باستبدال الصفحات القديمة بالجديدة تدريجيا. شكراً على تفهمكم ونرجو أن تُكرّروا زيارة الموقع لاكتشاف الجديد.

فلسطين

فتيات في قطاع غزة يتمكّن من بناء مكتبة

محمد أبو سليمان، موظف اليونيسف في غزة، يصف كيف شقت مجموعة من الفتيات الفلسطينيات صاحبات العزيمة طريق مستقبلهن، بكتاب تلو الآخر، وسط كل ما يحيط بهن من يأس وانعدام الأمل.

بقلم محمد أبو سليمان وكريس نايلز

صورة خاصة باليونيسف
© UNICEF State of Palestine/2017
فتاة في مدرسة سكينة للبنات في غزة تقوم بطلاء صندوق لاستخدامه كرف للكتب. حولت هي وزميلاتها حجرة دراسية فارغة إلى مكتبة باستخدام صناديق خشبية، وإطارات قديمة، وكتب تمّ التبرع بها.

مدينة دير البلح - دولة فلسطين - 18 كانون الأول/ديسمبر 2017 – هناك حواليّ مليون طفل في غزة لا تتوفر لهم أي ساحات رياضية أو ملاعب. ويؤثر هذا النقص في ساحات اللعب المفتوحة بشكل خاص على الفتيات. أما الشاطئ فيكاد يكون منطقة ممنوعة بسبب التلوث المريع بالصرف الصحي. ونسبة البطالة بين الشباب تبلغ 60 بالمئة.

رأينا في السنوات الأخيرة شباباً يلجؤون إلى المخدرات، وهي مشكلة حديثة العهد بالمجتمع الفلسطيني. وكل شاب أتحدث معه يشعر بالعزلة التي فرضتها حدودنا المغلقة، إذ يريد أن يكون جزءاً من العالم، ليتعلم ويتشارك الأفكار ووجهات النظر مع نظرائه في المجتمعات الأخرى.

أحياناً ما يراودك في غزة شعور بانعدام الأمل، إلا أن مجموعة من طالبات المدارس أنشأن شيئاً مثيراً للإعجاب.

إنهن طالبات مدرسة سُكيْنة للفتيات في مدينة دير البلح بوسط قطاع غزة. و"دير البلح" تعني الدير المحاط بالنخيل، وقد كانت في هذه المنطقة قديماً آلاف النخلات التي لم يبق منها اليوم إلا القليل، وقد أصبح في المدينة اليوم العديد من مخيمات اللاجئين؛ ويعيش في مخيم دير البلح نحو 25 ألف لاجئ.

قررت طالبات مدرسة سُكيْنة أنهن بحاجة إلى مكتبة. فأغلب المدارس في غزة لا تمتلك أي مكتبات. وتلك التي تمتلك مكتبة لا يوجد فيها إلا عدد محدود من الكتب.

أدركت الطالبات أن الأمر لن يكون سهلاً - فسوف يواجهن مفاهيم اجتماعية صعبة حول ما يمكن للفتيات فعله - لكنهن أردن إثبات قدرتهن على إنشاء مكتبة جميلة في مدرستهن.

مولد مكتبة

منحت منظمة اليونيسف الطالبات نواة تمويل تبلغ 300 دولار أمريكي، ليتجهن بعدها مباشرة إلى السوق من أجل شراء الكتب، علماً بأنهن لم يذهبن إلى السوق يوماً، بل إن رحلتهن اليومية تنحصر بين البيت والمدرسة.

تقول مَرَح، إحدى الطالبات الأربعين اللاتي جمعن الكتب وقمن ببناء المكتبة: "من غير المعتاد في غزة أن تذهب المراهقة إلى السوق وحدها وتحمل الصناديق وتتعامل مع البائعين".

وللأسف، عندما ذهبت الفتيات إلى السوق أدركن أن مبلغ 300 دولار يشتري بالكاد 30 كتاباً دون أن يتبقى شيء منه للأرفف والمقاعد.

توصلت الفتيات إلى حل آخر؛ فقد اخترن غرفة دراسية خالية وبنين فيها أرففاً من الصناديق الخشبية ومقاعد من الإطارات القديمة ثم طلبن من عدد من المنظمات غير الحكومية تبرعات وحصلن على 500 كتاب، لتولد مكتبتهن في مطلع هذا العام.

واليوم أصبحت مكتبة مدرسة سُكيْنة مفتوحة على مدار ستة أيام في الأسبوع لجميع الطلاب. وشأنها شأن أغلب مدارس غزة، تعمل مدرسة سُكيْنة على فترتين دراسيتين لتعويض العجز الذي تشهده المدارس، 232 مدرسة. دعمت وزارة التعليم مبادرة الفتيات بتقديمها طاولات ومقاعد ومزيداً من الكتب، كما نظمت الفتيات لجنة لإدارة المكتبة والاستمرار في إضافة الكتب إلى المجموعة الموجودة فيها.

صورة خاصة باليونيسف
© UNICEF State of Palestine/2017
فتاة تقف في المكتبة التي أوشكت على الاكتمال في مدرسة سُكيْنة للفتيات. استوحت الفتيات فكرة إنشاء المكتبة أثناء مشاركتهن في أحد برامج اليونيسف التي شجعتهن على إجراء تقارع للأفكار بشأن مشروعات من شأنها تحسين حياتهن.

قصة شخصية

هذه المكتبة قصتي الشخصية، فقد ساعدتني منظمة اليونيسف والكتب على تحويل مجرى حياتي عندما كنت مراهقاً.

لقد نشأت في حي فقير جداً، وخرجت من المدرسة الابتدائية وفي رأسي 51 غرزة ناتجة عن 17 مشاجرة. لم أكن أبداً بمنأى عن العنف. كنت في بعض الأحيان من يثير المشكلات، وفي أحيان أخرى ضحيتها — ففي المكان الذي عشت فيه يتعين عليك أن تدافع عن نفسك.

وعندما بلغت الخامسة عشرة والتحقت بالمرحلة الثانوية تغيرت حياتي. فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها فتيات وجهاً لوجه. ما أنقذني أيضاً أني ذهبت إلى مكان يتفهّم احتياجات المراهقين، حيث قابلت فيه أشخاصاً متعلمين يقرؤون كتب ماركس ودستويفسكي. وعندما كان يسألني أحدهم عن آخر كتاب قرأته لم أكن أستطيع الإجابة.

ولذلك بدأت أقرأ كل يوم وكل ليلة. وبعد ستة أشهُر بدأت أعبر عن آرائي وأفكاري، وأصبح من الرائع في لحظات كثيرة أن أرى الناس يبتسمون ويستمتعون بما أقول، ومن ثم بدأت أبني ثقتي بنفسي. وبعد سبع سنوات بدأت العمل مع اليونيسف الذي كان حلماً بالنسبة لي.

كل ذلك بفضل القراءة. فعندما تقرأ تزداد مداركك ويتعمق تفكيرك؛ وهو أمر مهم في غزة على وجه الخصوص حيث نعيش منقطعين عن العالم. فمن أين يمكن للشباب استقاء أفكارهم؟ إن تهديدات العنف تلوح كل لحظة في الأفق، لكن الكتاب هو ما يمكنه تغيير الأفكار والمعتقدات.


 

صورة خاصة باليونيسف
© UNICEF State of Palestine/2017
قامت الفتيات بطلاء جميع القطع التي استخدمت كأرفف في المكتبة. يندر وجود المكتبات المدرسية جداً في غزة. كانت الطالبات يدركن أنهن قد يواجهن مفاهيم اجتماعية صعبة بشأن ما يمكن للفتيات فعله.

القراءة أساس لحرية الاختيار

كنت أحد المحظوظين بعثوري على فرصة لتطوير أفكاري ومهاراتي واتخاذ قرارات مستنيرة. لكن الغالبية العظمى من المراهقين البالغ عددهم 430 ألفاً في غزة لا يجدون هذه الفرصة. فبمساعدتنا الشباب على أن يحلموا وينفذوا أفكارهم، ندعمهم للإبقاء على الأمل حياً في نفوسهم.

إن المشروع الذي أتمته الفتيات معاً يشكل جزءاً من برنامج أكبر يسعى إلى المساعدة في زرع الأمل لدى المراهقين. بدأت اليونيسف عام 2016 مشروعاً في 11 مدرسة بها 1200 طالب من طلاب المدارس الثانوية الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و16 عاماً. دربت اليونيسف الطلاب على مهارات كالتواصل والتفكير النقدي والإبداع والبحث الإجرائي والقيادة والمشاركة في الحياة المدنية. شجعناهم كذلك على إجراء عصف ذهني بشأن المشروعات التي قد تساعد في تحسين حياتهم.

لذا فإنه من خلال مشاركتهن في هذا المشروع، امتلكت فتيات مدرسة سُكيْنة الشجاعة على أن يخرجن ويفعلن ما لم يفعلنه من قبل لتقديم شيء فريد من نوعه. كما قدم غيرهن من الشباب المشاركين في البرنامج مبادرات مختلفة. لدينا في غزة آلاف من المراهقين الذين يحملون كماً كبيراً من الأفكار.

تقول هيا الكردي البالغة من العمر 15 عاماً: "لقد كان برنامجاً رائعاً، تعلمت فيه ألا مستحيل وأنه يمكنني خوض التحديات بل وتحقيق الانتصار. فقط عليّ أن أفكر وأخطط وأدافع عن فكرتي". "لقد علمتني هذه التجربة أني أستطيع أن أبلغ مرام ما حلمت بتحقيقه على المستوى الشخصي".

من المهم الآن أكثر من ذي قبل منح الشباب في غزة فرصة للقيادة والتعلم واكتساب فرصة لتطوير عقولهم ووضع أفكارهم المميزة موضع التنفيذ. في غزة، نبرع في توجيه الناس إلى ما ينبغي فعله أو تركه. لكن عندما تبني مكتبة وتمنح الناس الفرصة للاطلاع على وجهتي النظر في أي أمر، تكون بيديك فرصة اختيار ما ترى بأنه الصواب في رأيك. والقراءة هي أساس ذلك الاختيار.

صورة خاصة باليونيسف
© UNICEF State of Palestine/2017
بعض الفتيات يرسمن رسوماً جدارية على حائط المكتبة الجديدة. لا يجد الأطفال — ولا سيما الفتيات — في غزة سوى القليل جداً من المساحات الآمنة للعب.

منطقة غير صالحة للحياة تقريباً

تساعد اليونيسف في دولة فلسطين 18 ألفاً من المراهقين المحرومين من الخدمات على تطوير قدراتهم، من خلال تعلُّم مهارات الحياة والمشاركة في الحياة المدنية والأنشطة الرياضية ومبادرات ريادة الأعمال. ويعتبر مشروع المكتبة أحد مشاريع اليونيسف الذي جرى تنفيذه بالتعاون مع مؤسسة النيزك للتعليم المساند والإبداع العلمي، وموله برنامج الفاخورة (أحد مشاريع مؤسسة التعليم فوق الجميع، التي يدعمها صندوق قطر للتنمية).

رغم ذلك، تشهد البيئة في غزة تدهوراً إلى الحد الذي تعتقد معه الأمم المتحدة أنها قد تكون مكاناً غير صالح للعيش بحلول عام 2020. إننا نعيش محاصرين في منطقة صغيرة — يبلغ طولها حوالي 45 كيلومتراً ويتراوح عرضها بين 6 كيلومترات و14 كيلومتراً. مضت علينا 10 سنوات منذ كان بمقدور الأشخاص والسلع التحرك بحرية دخولاً وخروجاً، وفي تلك المدة شهدنا ثلاثة حروب. هناك ندرة في الماء واحتياجات ضخمة يرافقها تلوث هائل، مما يعني أن مخزوننا من المياه الجوفية آخذ في النضوب بوتيرة تسبب ضرراً لا يمكن إصلاحه. كما يعني انقطاع الكهرباء لفترات تصل إلى 20 ساعة يومياً أن الصرف الصحي غير المعالج يُضخ في البحر وتملأ رائحة العفن أحياء كاملة. يعاني الناس الفقر، فقر مدقع لا ينفك يزداد سوءاً. يحاول الآباء والأمهات يوماً بعد يوم أن يبقوا الأمل حياً في نفوس أطفالهم، لكن ما أخشاه ألا يكون بإمكانهم الاستمرار.

ذكرت أن غزة قد تكون منطقة غير صالحة للحياة بحلول عام 2020، لكني لا أعتقد أن السبب في ذلك بيئي فقط. إنها أيضاً عقلية الناس، ذلك الفقدان البطيء القاتل للأمل مع كل يوم تزداد فيه مقومات الحياة اليومية سوءاً. يحتاج كل منا إلى الأمل، ولا سيما الشباب. فإذا مات الأمل — في أي مكان — فهناك دائماً احتمال أن يتجه الشباب إلى السلوكيات الخطرة وحتى العنف.

محمد أبو سليمان مسؤول برنامج تنمية ومشاركة المراهقين في اليونيسف بغزة.

>>اقرأ التالي: أطفال غزة يواجهون أزمة حادة في المياه والصرف الصحي


 

 

ابحث