مهمة لإنقاذ أرواح في اليمن

جعل النظام الصحي المتهالك في اليمن العديد من الأطفال عرضةً للأمراض وسوء التغذية.

إعداد رجات مدهوك
يتم قياس وزن الطفل في مرفق صحي بضواحي مدينة صنعاء.
UNICEF Yemen/2016/Madhok

27 تشرين الأول / أكتوبر 2016

جعل النظام الصحي المتهالك في اليمن العديد من الأطفال عرضةً للأمراض وسوء التغذية. لنتعرف في ما يلي على الكيفية التي يستخدم من خلالها العاملون في مجال الصحة المنشآت الطبية القليلة المتبقية وحملات التوعية المتكاملة لعلاج الأعداد المتزايدة من الأطفال المرضى.
 

صنعاء، اليمن، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2016 – "أسرع، لا يمكننا أن نتأخر؛  سنضيّع فرصة لقاء الأطفال وأوليائهم إن لم نصل إلى هناك باكراً." كانت تلك كلمات رددها وليد بسرعة ونحن نركب سيارة مضادة للرصاص تتوجه بنا نحو ضواحي المدينة. تقلّبت في المقعد الأمامي بحثاً عن قلمي وورق أسجل فيه ما ألاحظه.

يعمل وليد نعمان رئيس العمليات بمكتب صنعاء، وهو أكبر مكتب ميداني لليونيسف في اليمن. نحن الآن نقصد إحدى المرافق الصحية المتواجدة على أطراف المدينة حيث تُحضر الأمهات أطفالهن للاستفادة من الفحص الطبي والعلاج من سوء التغذية.

وقال وليد وهو يشير إلى النزاع الذي اجتاح البلد خلال السنة ونصف السنة الماضية: "يبدو أن أعداد الأمهات والأطفال المرضى تزداد يوماً عن يوم، جزئياً لأن الوضع في اليمن مزريّ للغاية، ولأننا وسّعنا نطاق مراقبتنا الطبية وبرامج التوعية في أنحاء البلاد. وحين تُدرك الأمهات أن أطفالهن يعانون من سوء التغذية، يحضرنهم إلى هذه المرافق الصحية."

مررنا عبر المدينة وشاهدنا مبان طالها التدمير وإسمنت مسلح معلق ومهشم من جراء النزاع. كانت صنعاء عاصمة مزدهرة، واليوم تحولت إلى خراب وطالها الدمار الحسي والمعنوي. وسكانها اليوم يعانون بسبب قساوة الظروف وضنك العيش وبالكاد يغطون نفقاتهم. وتُذكّر الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود ومتاجر البقالة والمدارس المغلقة والمستشفيات التي طالها القصف، المواطنين بماض كان أفضل وبمستقبل مخيف.

اقرأ المزيد: يوم في حياة قابلة مجتمع محلي في اليمن

UNICEF Yemen/2016/Madhok

يتم فحص سوء التغذية بواسطة شريط يوضع على محيط منتصف الجزء العلوي من ذراع الطفل. تقدر اليونيسف عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد في اليمن بمليون ونصف المليون طفل، منهم 370 ألفاً يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم.

بعد ثلاثين دقيقة، دخلنا إلى إحدى المرافق الصحية لنجد العديد من الأسر تفترش الأرض عند بوابة المدخل؛ كان هناك أطفال، لا يتعدى الكثير منهم سن الثالثة، يركضون في دوائر ويلعبون. وكان هناك أيضاً شخص يبيع ساندويشات ساخنة للذين ينتظرون دورهم لرؤية الطبيب. 

ترجلنا داخل المرفق الصحي حيث استقبلنا بالتحية فوج كبير من الأمهات اللواتي يحملن أطفالهن الرضع بين ذراعيهن. وفي تلك اللحظة، قال وليد وهو يشير إلى طفل يتم وزنه: "كلهن ينتظرن أن يتم فحص أطفالهن لمعرفة ما إذا كانوا يعانون من سوء التغذية."

وتبعنا الطفل التالي بينما يتم قياس طوله ووزنه. وفور ذلك، تم وضع شريط قياس على محيط منتصف الجزء العلوي من ذراع الطفل. إذا توقف هذا الشريط عند اللون الأخضر يكون الطفل سليماً، وإذا توقف عند اللون البرتقالي، فذلك يعني أن الطفل يعاني بنسبة معتدلة من سوء التغذية. وللأسف، في حالة هذا الطفل الذي يبلغ من العمر سنة واحدة، توقف الشريط عند اللون الأحمر، يشير إلى أنه يعاني من سوء تغذية حاد؛ غير أن هذه الحالة لم تفاجئ أياً منا.

تقدر اليونيسف عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد في هذا البلد بمليون ونصف المليون طفل، من بينهم 370 ألفاً يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم. ولعل المحزن في الأمر أن الوضع قد يزداد سوءاً بسبب النظام الصحي المتداعي والمستشفيات والمرافق الصحية المعطلة، والنقص الحرج في الأدوية والعاملين في مجال الصحة؛ كما أن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم يواجهون خطر الموت بنسبة عشرة أضعاف أكثر من الأطفال الأصحاء إن لم يتلقوا العلاج في الوقت المناسب.

وفي هذه الحالة بالتحديد، تم وصف جرعات عاجلة من الأدوية لهذا الطفل، البالغ من العمر سنة واحدة، من أجل بناء مناعته؛ وتم أيضاً تزويده بالأغذية العلاجية الجاهزة للاستعمال. وبهذا العلاج، يكون تعافيه مضموناً إلى حد كبير. غير أنه، حسب وليد، ثمة عشرات الآلاف من الأطفال في اليمن الذين لا يتمتعون بنفس حظ هذا الطفل.

تعرف أكثر على عمل اليونيسف في مجال التغذية في حالات الطوارئ

بعد أن تأكد من أن هذه المرفق الصحي المدعوم من اليونيسف يعمل كما يجب، اقترح وليد أن نقوم بمعاينة عشوائية لفريق طبي متنقل يقوم بتلقيح الأطفال في المنطقة المجاورة. صعدنا مرة أخرى إلى السيارة المضادة للرصاص لنتجه إلى قرية قريبة تقع على حدود المدينة.

تتكون هذه القرية من مجموعة بيوتٍ متهالكة. وبمحاذاة هذه المنازل، توجد مدرسة ضخمة ذات ساحة كبيرة للعب؛ وداخل هذه المؤسسة التقينا بعاملين في مجال الصحة وسائقهما عند مركز اتخذ من خيمة مكاناً له خارج أحد قاعات الدرس. ويعمل هذان الشخصان ضمن حملات التوعية المتكاملة التي تدعمها اليونيسف. وفي إطار هذه الحملات يستخدم العاملون أي وسيلة نقل متاحة كي يصلوا إلى الأشخاص الذين لا يملكون إمكانية الوصول إلى المستشفيات أو المرافق الصحية؛ وبعد ذلك، يقومون بإمداد البالغين والأطفال بخدمات طبية أساسية لكن من شأنها أن تنقذ حياتهم.

قد يكون ذلك أكبر عمل من هذا النوع في هذا البلد؛ فالعاملون في مجال الصحة يُغطون كل المحافظات ويقدمون مجموعة كبيرة من الخدمات، بما فيها الفحوصات الطبية والإحالة على أخصائيين وعلاج الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، والتدبير العلاجي المتكامل لأمراض الطفولة والتلقيح وخدمات الصحة الإنجابية  للحوامل والأمهات الجدد، إلى غير ذلك. وفي هذه المدرسة التي زرنا، قام متطوعون في مجال الصحة إلى الآن بتلقيح 40 طفلاً ضد شلل الأطفال وأمراض أخرى يمكن الوقاية منها.

وبعد الزيارة، انطلقنا في رحلة العودة إلى المكتب، وراح وليد يفكر في ما شهده خلال هذا اليوم، وهو يستعرض ما تم إنجازه بشكل جيد وما يمكن تحسينه. وبهذا الخصوص، قال: "لقد خسرنا المكاسب التي تحققت خلال السنوات العشر الأخيرة في مجال تحسين صحة أطفالنا بسبب هذا النزاع. من المؤلم جداً رؤية الأطفال يموتون بينما يمكن إنقاذهم بسهولة."

وتابع: "بصفتنا مواطنو هذا العالم، تقع على عاتقنا مسؤولية رعاية أطفالنا، لكن يبدو أننا ما فتئنا نخذلهم؛ غير أنني سأحرص على ألا يحدث ذلك تحت ناظري."

تعرف أكثر على الاحتياجات الإنسانية للأطفال في اليمن