رحلة لقاح: من المصانع إلى أطفال الروهينغا اللاجئين

يقي اللقاح الخماسي من خمسة أمراض مميتة. نروي لكم في هذا المقال الجهد الذي يُبذل لإيصال اللقاح إلى الأطفال الذين هم في أمسّ الحاجة إليه.

بقلم شايان كريشان
أمّ تحمل رضيعها داخل غرفة التلقيح، بنغلاديش.
UNICEF/UN0220655/Krishan
19 تموز / يوليو 2018

كوكس بازار، بنغلادش، 19 تموز/يوليو 2018 — في المركز الصحي لمخيّم بالوخالي للاجئين، تدخل أمّ وبيدها رضيعها إلى غرفة التلقيح التي يفصلها عن منطقة الانتظار شرشف أبيض كبير. تنزع عاملة التلقيح غطاء قارورة اللقاح وتفتح كيساً بلاستيكياً بداخله محقنة. كانت تعدّ حقنة اللقاح الخماسي من أجل ’راشال‘، الرضيع ذي الأسابيع السّتة.

استغرق صنع اللقاح سنوات عدة، وتم نقله عند درجة حرارة مضبوطة بدقّة مسافة 4300 كيلومتر، وتم تخزينه في سبع غرف تخزين مبرّدة مختلفة. وقد حمل اللقاح عبر رحلته 17 شخصاً على الأقل قبل أن يصل إلى مخيّمات لاجئي الروهينغا.

كل يوم، تُنقل الصناديق المبرّدة المملوءة باللقاحات عبر الممرات الترابية لمخيمات لاجئي الروهينغا في منطقة كوكس بازار ببنغلادش. فمنذ شهر آب/أغسطس 2017، نزح ما يقارب 706,000 آلاف من لاجئي الروهينغا، منهم 400 ألف طفلٍ تقريباً، من ميانمار، قاصدين المخيمات في بنغلادش، حيث يجعل الاكتظاظ ورداءة الصرف الصحي وانخفاض معدّلات التلقيح الأطفال عرضةً للإصابة بالأمراض.

في نهاية عام 2017، اجتاح مرض الخنّاق (الدفتيريا) المساكن المصنوعة من القماش المشمّع والخيزران والممتدة لمسافات شاسعة في المنطقة القريبة من الحدود مع ميانمار. وحينها، أطلقت حكومة بنغلادش، بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) والتحالف العالمي للقاحات والتحصين (GAVI) وشركاء مختصين في الرعاية الصحية، ثلاث حملات لتلقيح ما يقرب من نصف مليون طفل في المخيمات والمستوطنات المؤقتة والمناطق المحيطة بها.

والآن بعد أن انتهت الحملات، يتلقى أطفال الروهينغا لقاحات التحصين الروتينية، بما فيها اللقاح الخماسي.

يقي هذا اللقاح الذي يُعطى في جرعة واحدة من خمسة أمراض قد تؤدي إلى الوفاة، وهي: التهاب الكبد البائي، والسعال الديكي، والخناق، والكزاز، والنزلة النزفية من النوع باء. وهو واحد من 10 لقاحات يتضمنها برنامج التحصين الروتيني في بنغلادش.

الرحلة التي يقطعها اللقاح ليصل إلى مخيم اللاجئين هي رحلة صعبة.

توضع قوارير اللقاح داخل آلة للفرز الأوتوماتيكي
UNICEF/UN0220675/Singh
توضع قوارير اللقاح داخل آلة للفرز الأوتوماتيكي. ويقي اللقاح الذي يُعطى في جرعة واحدة من خمسة أمراض قاتلة محتملة، وهي: التهاب الكبد البائي، والسعال الديكي، والخناق، والكزاز، والنزلة النزفية من النوع باء.
 
تحدّيات لوجستية

تقرقع عربة محمّلة بالمئات من أكياس الثلج الباردة وهي تُدفع على أرضية المصنع نحو منطقة التعبئة، بينما يهرول عامل ليبتعد عن طريقها. تعدّ التعبئة عملاً خطيراً بحقّ في معمل تصنيع اللقاحات.

تُصنع اللقاحات الخماسية التي تشتريها اليونيسف في كوريا الجنوبية والهند. ولكي تصل إلى مخيمات لاجئي الروهينغا في منطقة كوكس بازار، تقطع ما بين 1400 و3800 كيلومتر جواً إلى دكّا، عاصمة بنغلادش، قبل أن تُنقل على طرقات البلاد المتعرجة.

ولكي تصل لقاحات عالية الجودة إلى الأطفال حول العالم، لا يكفي فقط الاعتناء بتصنيعها، بل لا بدّ من معالجة المشكلات اللوجستية التي تعترض إيصالها إلى مقاصدها. ولا بد من حفظ اللقاحات عند درجة حرارة تتراوح بين 2° و8° مئوية حتى وصولها إلى نقطة التسليم، وإلا ستفقد فعاليتها. ويعدّ هذا تحدّياً جسيماً في البلدان التي تعصف بها أزمات طارئة، وتعاني من رداءة الطرقات أو انقطاعات التيار الكهربائي أو تسود فيها درجات حرارة مرتفعة.

يقول مدير اللوجستيات لدى أحد مورّدي اليونيسف السّتة: "يُضبَط التوقيت بحيث تصل اللقاحات إلى المطار قبيل سويعات من إقلاع الطائرة".

توضع اللقاحات في صناديق كرتونية من مادة ’البولي يوريثان‘ وتُضبط درجة حرارة الأكياس عند 4° مئوية. وتُقحَم في كل صندوق أداة لمراقبة تغيرات الحرارة. يجوب عمال يرتدون بدلات عمل زرقاء أنحاء الغرفة في حركة دؤوبة ليملؤوا الصناديق باللقاحات ويحملوها في شاحنة بانتظار الاتجاه إلى المطار.

يركب عامل نقل للقاحات دراجة نارية لتوصيل اللقاحات، بنغلاديش.
UNICEF/UN0220654/Krishan
يركب ’دلال رودرو‘، وهو عامل نقل للقاحات، دراجة نارية لتوصيل اللقاحات المخصصة للتحصين الروتيني إلى العاملين الاجتماعيين الصحيين في المناطق الريفية لناحية رامو التابعة لمنطقة كوكس بازار في بنغلادش.
 
نقل اللقاح عبر بنغلادش

تحطّ اللقاحات المخصصة للشعب البنغالي ولاجئي الروهينغا الأطفال في دكّا عاصمة بنغلادش. وفي المطار، توضع بين أكياس الثلج في صناديق مبرّدة كحلية اللون، ثمّ تُنقل إلى المستودع المركزي التابع لبرنامج التحصين الموسّع (EPI) والموجود في مركز المدينة.

تشقّ الشاحنة طريقها على طول ضفاف بحيرة غولشان بين عربات الريكشا الملونة، ثم تتابع مسيرها في طرقات المدينة المزدحمة. المستودع بناء أبيض مؤلف من أربعة طوابق تكتظّ ممرّاته بصناديق للمحاقن المعدّة للاستخدام مرة واحدة. يقول ’سوبود شاندرا بانيك‘ مدير اللوجستيات لدى برنامج التحصين الموسّع في دكّا: "تُخزّن اللقاحات عادة في الغرف المبرّدة لمستودع برنامج التحصين الموسّع لمدة قد تصل إلى ثلاثة أو أربعة أشهر".

عندما يحين أوان إرسال اللقاحات إلى مخيّمات اللاجئين، تُخرَج مرة أخرى من الغرفة الباردة وتُعبّأ في صناديق باردة تحيطها أكياس الثلج. يساعد ’بانيك‘ في تحميل الصناديق على متن شاحنة مفتوحة ستتجه جنوباً نحو مدينة كوكس بازار.

بعد أن يحطّ اللقاح في بنغلادش، تستغرق الرحلة من العاصمة إلى مخيمات اللاجئين 12 إلى 13 ساعة. تعبر الشاحنة بتأنٍّ 400 كيلومتر من الحقول الخضراء والغابات والمستنقعات الموحلة والمدن، قبل أن تصل إلى مستودع منطقة كوكس بازار.

هناك شاحنة ثانية على أهبة الاستعداد في حال تعطّل الشاحنة الأولى. وفي المستودع، تُفرّغ حمولة اللقاحات من جديد وتُخزّن في غرفة باردة لضمان الحفاظ على درجة حرارتها: أي المحافظة على استمرارية "سلسلة التبريد".

 يقول ’محمد سيفول‘، مدير مستودع كوكس بازار، وهو يقوم بتحميل الصناديق المبرّدة على متن شاحنة أصغر: "لدينا شاحنة واحدة تغادر كل أسبوع نحو مخيمات الروهينغا، وتخرج مرة واحدة في الشهر من أجل التلقيح الروتيني للسكان المحليين في المنطقة". تنتهي رحلة الشاحنة في أقاصي الجنوب، حيث المحطة الأخيرة في سلسلة التبريد في المركز الصحي لناحية أوخيا، وذلك على بعد 40 كيلومتراً. ومن هناك، تنطلق اللقاحات الخماسية في سيارة إسعاف نحو مركز بالوخالي الصحي.

طفل يتلقى تحصيناته في مركز صحي
UNICEF/UN0220656
راشال يتلقى تحصيناته في المركز الصحي لمخيّم بالوخالي للاجئين في منطقة كوكس بازار، بنغلادش.

كان راشال يستلقي في حضن أمه محاطاً بذراعيها، وخدّه على ترقوتها. ولم يطل به الزّمن حتى استغرق في نومٍ عميق. أم راشال امرأة في أواخر العشرينيات من عمرها، وكانت تجلس على كرسي بلاستيكي في غرفة التلقيح. أحضرت ولدها ذا الأسابيع السّتة إلى المركز الصحي الأقرب إلى المأوى الذي تتشاطره مع عائلتها كي يتسنى لها تلقيحه. غادرت المرأة ولاية راخين في ميانمار بعد أن أحرقت قريتها. وقد استغرقت هي وعائلتها 10 أيامٍ للوصول إلى بنغلادش سيراً على الأقدام. وكانت وقتها حاملاً براشال.

كانت الأم الشابة تنتظر الممرضة لتحضّر لولدها جرعةً من اللقاح الخماسي الذي كان قد وصل منذ دقائق إلى المخيّم. تلقّى راشال لقاحاً من شأنه أن يقيه من خمسة أمراض مميتة، ويساعده في البقاء على قيد الحياة وسط بعض أصعب الظروف في العالم اليوم.