أطفال اليمن المنسيون في أزمة الكوليرا .. سقطوا سهواً

يُعدُّ التفشي المتواصل لمرض الكوليرا الذي أصاب اليمن منذ أواخر نيسان/أبريل مثالاً آخر للأخطار الناجمة عن انهيار النظام الصحي.

بقلم: راجات مادوك، وسعاد المراني
طفل يرقد في حاضنة.
UNICEF Yemen/2017/Madhok

23 حزيران / يونيو 2017

 

يُعدُّ التفشي المتواصل لمرض الكوليرا الذي أصاب اليمن منذ أواخر نيسان/أبريل مثالاً آخر للأخطار الناجمة عن انهيار النظام الصحي. يوجد، حتى الآن، أكثر من 175,000 حالة مشتبه فيها وأكثر من 1,000 حالة وفاة. الأطفال هم الأكثر عرضةً للإصابة، وبسبب انخفاض المناعة وسوء المدخول الغذائي والظروف المعيشية غير الصحية، يقف هؤلاء الأطفال على أعتاب العدوى والمرض. فالنظام الصحي المنهار – الذي لا يحصل فيه الأطباء على أجورهم ويُعاني من نقص شديد في الإمدادات الطبية الأساسية – يزيد الأمور سوءاً.
 

صنعاء، اليمن، 23 حزيران/يونيو 2017 – ينتظر الآباء القلقون خارج جناح الطوارئ الضيق الخاص بالأطفال في مستشفى معبر، على بُعد 100 كيلومتر جنوب صنعاء، عاصمة اليمن. يقف الآباء المغلوبون على أمرهم لا يدرون كيف ينقذون أطفالهم من براثن الألم، ينظرون بعين الترقُّب إلى العدد القليل من الأطباء والممرضات الذين يؤدون عملهم ويدخلون ويخرجون من الجناح مُسرعين يرتدون الكمامات وملابس الجراحين.

يؤدي ممر ضيق إلى جناح الأطفال حديثي الولادة، حيث يرقد أطفال رُضّع في حاضنات. وُلد بعضهم قبل الأوان، بينما يعاني البعض الآخر من مضاعفات طبية. من حسن حظ هؤلاء الأطفال أنهم يتلقون العلاج، حيث لا يوجد في المنطقة بأكملها سوى عشر حاضنات صالحة للاستخدام.

وعند مدخل الجناح، نرى أحد الآباء يتجادل مع طبيب الأطفال. يريد هذا الأب المُنهَك، أكرم النجيل، العاجز عن تحمل التكلفة المتكررة لعلاج ابنته ريم التي تبلغ من العمر أربعة أشهر وتُعاني من اضطراب في الجهاز التنفسي، أن يعود بابنته إلى قريته. لقد وُضعت ريم في الحاضنة منذ 25 يوما. ولكن هذه ليست المرة الأولى التي تدخل فيها المستشفى، فقد دخلته ثلاث مرات منذ ولادتها. يعتصر الألم جسد ريم الضعيف الهزيل، وإذا لم تتلقَّ العلاج الصحيح، فستُصاب بالتهاب رئوي. ويخشى الأطباء أن تكون رحلة عودتها إلى المنزل، في حال السماح لها بالخروج من المستشفى، أطول من أن تتحملها.

يقول أكرم: "أنا متعب، وأم ريم متعبة، ولا نستطيع تحمل التكلفة. إننا راضون بالقدر أيّاً كان، ولا نعترض على الموت،" ثم أرخى كتفيه وأشاح بوجهه كأنما يستسلم لأي مصير يُخبئه القدر له ولابنته.

UNICEF Yemen/2017/Madhok

طفل نائم في حاضنة في مستشفى معبر في اليمن. تقدّم اليونيسف في جميع أنحاء البلد المساعدة الصحية والتغذوية لإنقاذ حياة الأطفال والأمهات والأسر الأكثر عرضةً للإصابة. وتدعم اليونيسف المرافق الصحية، والفرق المتنقلة، وحملات التوعية، والمتطوعين من المجتمع المحلي في المناطق التي يصعب الوصول إليها.

طبيب الأطفال الذي يحاول إقناع أكرم بالبقاء هو الدكتور غيلان أبو غانم. يقول الدكتور غيلان: "يضطر كثير من الآباء، مثل أكرم، إلى إخراج أطفالهم المصابين بأمراض خطيرة من المستشفى لأنهم لا يستطيعون تحمّل تكلفة الدواء، أو لمجرد أن تكلفة الانتقال من المستشفى وإليه مرتفعة جداً. إنني أتعامل مع آباء كهؤلاء كل يوم، وقد اضطررت إلى التصريح بإخراج أطفال من المستشفي أعلم أنهم لن يصلوا إلى ديارهم. أحاول إقناعهم بالبقاء ولكنني لا أستطيع إجبارهم."

كانت ريم محظوظة. فقد نجح الدكتور غيلان في إقناع أكرم بإبقاء ابنته تحت الرعاية الطبية، على الأقل حتى الآن.

وفقاً للدكتور غيلان، فإن معدل الوفيات بين الأطفال في منطقة المعبر مرتفع. وتشير تقديرات الدكتور غيلان إلى وفاة اثنين من كل عشرة أطفال يدخلون المستشفى. ويوضح الطبيب أن المستشفى بعيد عن مناطق كثيرة، وأن الآباء لا يأتون بأطفالهم إلا عندما تكون حالة الطفل قد صاحبتها مضاعفات بالفعل، وغالباً ما يأتون بعد فوات الأوان.

يسود الوضع نفسه في جميع محافظات اليمن. ونظراً لأن أكثر من 50 في المائة من المرافق الصحية لا تعمل بكامل طاقتها بسبب الصراع، فإن النظام الصحي مُعلّق بشعرة. وتتعرض المرافق الصحية التي تعمل، مثل هذا المستشفى، لضغط شديد، ولا تستطيع أن تستوعب الأعداد المتزايدة من المرضى. مما يزيد الأمور سوءاً أن الأطباء لم يحصلوا على رواتبهم منذ عدة أشهر. ويخبرنا الدكتور غيلان بأن كثيراً من الأطباء غادروا المستشفى والتحقوا بمستشفيات أو عيادات خاصة في المدن المجاورة أو غادروا البلد بحثاً عن حياة أفضل. لقد فقد بعض معارفه حياتهم أثناء محاولاتهم الخروج من اليمن.

في صنعاء، يُعتبر مستشفى الثورة أحد مستشفيات الإحالة الرئيسية، حيث يقصده من جميع أنحاء البلاد أناس يئسوا من تلقي العلاج ويئسوا بنفس القدر من الخروج بأحبائهم على قيد الحياة. ولكن هذا المستشفى يواجه التحديات نفسها.

تقول الدكتورة إيمان الشهري، طبيبة أمراض النساء في المستشفى: "أشعر بأنني أُسهم في وفاة المرضى في كل مرة أسمح لهم بدخول المستشفى لتلقي العلاج. فكيف أعالجهم؟ ليس لديّ أدوية، ولا لوازم، ولا طاقم طبي. حتى الأجهزة لا تعمل وتحتاج إلى إصلاح. إننا لا نقبل سوى الحالات ذات المضاعفات الخطيرة جداً حينما تكون النساء الحوامل أو الأمهات على وشك الموت. لقد رأيت نساءً يلدن أطفالهن في الطرق أو  السيارات أو الشوارع. ولا توجد أي طريقة أستطيع بها أن أقدم لهن العلاج." في غرفة طوارئ الأطفال، يتمدّد الأطفال عبر قاعة مفتوحة غير مُعقمة بينما يحتشد مرافقوهم بجوارهم. يُعاني الأطفال المقبولون هنا من مختلف أنواع الأمراض، ومعظمها أمراض خطيرة. نرى إحدى الأمهات  تهرع إلى أُسر أخرى في الغرفة، تتسول منهم المال. فابنها في مرحلة حرجة وقد طلب الأطباء له دواءً معيناً لا يوجد إلا في صيدلية واحدة، وبثمن لا تستطيع تدبيره.

UNICEF Yemen/2017/Madhok

بعد سنوات من الصراع، أصبح نظام الصحة العامة في اليمن معلقاً بشعرة. وتدعم اليونيسف المستشفيات والمرافق الصحية عن طريق توريد الأدوية واللقاحات الأساسية، وتغطية التكاليف التشغيلية الأساسية مثل الكهرباء والوقود.

القصص لا حصر لها، والمعاناة لا مثيل لها، سواءً أكان ذلك يتعلق بأطفالٍ يموتون بسبب أمراض يمكن الوقاية منها أم نساءٍ حوامل يمُتن على أبواب المستشفيات. يعاني اليمن من أسوأ كارثة إنسانية في تاريخه الحديث. وأكثر الضحايا من الأطفال، إذ إنهم أضعف الفئات السكانية. إنهم يدفعون ثمن صراع لا يد لهم فيه.

في عام 2015، تُوفي أكثر من 10,000 طفل بأمراض يمكن الوقاية منها بسبب النظام الصحي المتداعي. وتشير تقديرات اليونيسف إلى أعداد مماثلة في السنوات التالية. أما الأطفال الذين ينجون من الموت، فإنهم يكونون عرضةً لسوء التغذية حيث إن البلد على وشك الدخول في مجاعة.

يوجد نقص في المياه الصالحة للشرب والإمدادات الطبية في البلد، مما يزيد من التفشي المستمر لمرض الكوليرا والإسهال المائي الحاد. هناك حالياً أكثر من 24 مليون شخص مُعرّضون للخطر. وتعمل اليونيسف مع شركاء معنيين بالصحة، والمياه وخدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية، والاتصال من أجل التنمية لتوسيع نطاق الاستجابة في الأشهر القليلة المقبلة للسيطرة على تفشي المرض، ومنع انتشاره، والتقليل من خطر عودته.

عودةً إلى غرفة طوارئ الأطفال في مستشفى الثورة، حصلت الأم اليائسة التي كانت تتسول من أجل إنقاذ طفلها على تبرع من شخص مجهول الهوية. لديها الآن ما يكفي من المال لكي تشتري لابنها الدواء العاجل اللازم لإنقاذ حياته. لقد أتاها الفَرَج. ولكن هناك كثير من الأمهات لم يحالفهن الحظ.