الرحلة ونهايتها

تبين الأزمة الأوروبية أن كلما طال أمد النزاع، كلما فكر المهجرون في قطع رحلة أطول بحثا عن الأمن والأمل

اليونيسف
مجموعة من الناس يتنقلون سيرا على الأقدام على الطريق الترابي بالقرب من بلدة غيفغليا في جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة.
UNICEF/UNI195492/Klincarov
24 أيار / مايو 2018

يجب أن تفهم

أن لا أحد يضع طفله في قارب

إلا إن كان البحر أحنّ عليه من اليابسة.

- وارسان شاير

تكون رحلة معظم المهجرين قصيرة – فهم يذهبون لأقرب مكان آمن. ففي جنوب السودان، يمكن أن يذهبوا إلى مخيمات النازحين التي تحميها الأمم المتحدة، والتي لا تبعد سوى بضع كيلومترات عن ديارهم، أو يذهبون إلى أثيوبيا. والأمر ذاته ينطبق على سوريا، حيث وجد الملايين من الأشخاص أنفسهم في مخيمات للاجئين في دول الجوار.

ولكن، وكما تبين الأزمة الأوروبية، كلما طال أمد النزاع، كلما فكر المهجرون في قطع رحلة أطول بحثا عن الأمن والأمل، حيث يشكل العراقيون والأفغان 87% من الأشخاص العابرين في أوروبا. 

أما بالنسبة للأطفال العابرين بسبب الفقر وتغير المناخ، فالوضع أعقد، كما أنه يدوم بشكل عام لفترة أطول. ولكن لا تتوفر معلومات كثيرة عن هذه الفئة، لأن معظم أفرادها يهاجرون بشكل غير نظامي.

تشير ورقة عاملة أعدتها اليونيسف إلى أن هناك "نقصا حادا في الأدلة التي تشير إلى تعدد أشكال الهجرة بين الأطفال والشباب، ولا تتوفر معلومات كافية حول سبب هجرة الأطفال واليافعين، وما هي غاياتهم، ومن هم الوسطاء الذين يساعدونهم على ذلك، وكيف يتحملون مشقة الرحلة والتهجير".

فكلما زاد طول الرحلة وكثرة الحدود التي يجب عبورها، كلما زاد احتمال دخول الأطفال لعالم المهربين والهجرة غير القانونية.

ومع تأثر الملايين من الناس، نشأت صناعة جديدة بقيمة بلايين الدولارات لتلبية احتياجاتهم. حيث يقدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات أن المجرمين يجنون حوالي 6.7 مليون دولار سنويا من طرق تهريب البشر الرئيسية – التي تؤدي من شرق وشمال وغرب إفريقيا إلى أوروبا ومن جنوب أمريكا لشمالها. وفي الأغلب أن الأرقام العالمية أعلى من هذه بكثير.

يمول العديد من المهاجرين غير الشرعيين رحلتهم على أساس تدبير تكاليف رحلتهم خلال الطريق، حيث يضطرون في كثير من الأحيان للتوقف لفترات طويلة لتجميع المال، والتمكن من مواصلة الرحلة. ونتيجة لذلك، قد تستغرق رحلتهم سنوات، يتعرض فيها الأطفال لخطر الاستغلال، والاعتقال، وتنتهك العديد من حقوقهم الإنسانية.

وهذا أمر أيضا في غاية الخطورة.

ويعد طريق الهجرة عبر المتوسط أخطر طريق في العالم، حيث يعتقد أن 3600 شخص ماتوا وهم يقطعونه سنة 2015، منهم حوالي 600 طفل. ولكن استجمع مليون شخص شجاعتهم ليقطعوه وصولا للأمن في أوروبا، وثلثهم من الأطفال. وعلى مستوى العالم، توفي أكثر من 5,100 مهاجر أو لاجئ سنة 2015، و40,000 شخص منذ سنة 2000.

لا أعلم ما الذي وصلت إليه حالي

ولكني أعلم أن أي مكان

​​​​​​​أكثر أمنا من هذا المكان.

--وارسان شاير

وصول الأطفال لمقصدهم لا يعد نهاية الطريق، ولكنه بداية رحلة أخرى.

فالأعداد الكبيرة من الأطفال والشباب اللاجئين والمهاجرين الذين وصلوا من عدة دول ... والذين يتحدثون عدة لغات ..ومن مستويات تعليمية مختلفة .. ويعانون من مختلف المشاكل الصحية ... ويحتاجون للحماية وعدد من الخدمات الأخرى ... تولد ضغطا على النظام، والموارد والمجتمعات المحلية.

والطريقة التي نستجيب فيها لذلك في ديارنا وعلى مستوى العالم هي مسؤولية مشتركة.

مشتركة لأن آثار هذه الأزمات المتعددة تمس الجميع. فهجرة الناس إلى أوروبا، أو الأزمة على الحدود الأمريكية والمكسيكية، أو على خليج البنغال هي تجليات الواقع الجديد لمشكلة عالمية.

تتواجد مخيمات اللاجئين أو النازحين الآن في أكثر من 125 دولة. ويهرب 86% من اللاجئين في العالم اليوم إلى الدول النامية – حيث تستضيف الدول الأقل نموا ربع مجموع هؤلاء. هرب أكثر من 2 مليون طفل من سوريا وحدها إلى تركيا، ولبنان، والعراق، ومصر، والأردن.

هذه الأزمة مستمرة منذ وقت طويل، فمخيم كوبرز في غرب البنغال هو أقدم مخيم مفتوح للاجئين في العالم.

كما يعيش ملايين الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين منذ سنة 1948.

ولقد أصبحت المخيمات ضخمة – كما أصبحت دائمة.

داداب هي بلدة شبه قاحلة في ولاية غاريسا في كينيا. وفيها مجمع كبير يستضيف 329,811 شخصا في خمسة مخيمات، مما يجعله أكبر تجمع لمخيمات اللاجئين في العالم.

ولكن تطلب الأمر تدفق حركة اللاجئين والمهاجرين على أوروبا بأعداد كبيرة لجذب الانتباه لهذه الأزمة.

وبالرغم من ضخامة الأعداد، لا تزال المشاكل التي تواجه أوروبا وشمال أمريكا والدول الأخرى التي يقصدها اللاجئون والمهاجرون بسيطة نسبيا مقارنة بتلك التي تواجهها الدول التي تستضيف الآن عشرات الملايين من اللاجئين.

ولقد تعهدت كل دولة، بغض النظر عن مدى نموها، بحماية اللاجئين والمهاجرين.

حيث تتحمل الحكومات الوطنية مسؤولية حماية الأطفال بعض النظر عن هويتهم، والمكان الذي أتوا منه، سواء كانوا لاجئين أو مهاجرين. فالأطفال هم أطفال قبل كل شيء.

ينص القانون الدولي على ذلك في اتفاقية حقوق الطفل، التي تضمن حقوق جميع الأطفال الذين يعيشون ضمن حدود الدولة. ولقد صادقت جميع الدول على هذه الاتفاقية باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية.

تشير الاتفاقية إلى أن جميع الأطفال – بغض النظر عن وضعية أهلهم كمهاجرين – يجب أن يستفيدوا من تدابير الحماية والمساعدة الخاصة، ويجب أن يتمكنوا من الوصول للخدمات كالتعليم والرعاية الصحية، ويجب أن يتمكنوا من تطوير شخصياتهم، وقدراتهم، ومواهبهم بأكبر قدر ممكن، ويجب أن يكبروا في بيئة من السعادة، والحب، والتفهم، ويجب أن يكونوا على معرفة بحقوقهم وأن يساعدوا في إحقاقها بطريقة سهلة وفاعلة.

وفي جميع القرارات المتعلقة بأطفال اللاجئين والمهاجرين، يجب أن تسترشد الدول بالاتفاقية – ومصلحة الطفل الفضلى – بما فيها القرارات المتعلقة بالحماية الدولية، وقبول طلبات الإقامة أو رفضها، إضافة لاتخاذ القرارات المتعلقة بنقلهم أو إعادتهم.