الوصول إلى من لا يصلهم أحد
في صباح يوم مشمس، توجهنا إلى قرية المنيزل لتحصين الأطفال ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية كجزء من حملة التحصين الوطنية. استغرقت المسافة من القدس إلى هذه المنطقة البدوية جنوب الخليل أكثر مما كنا نتوقعه. فالمسافة في الأوضاع الطبيعية تستغرق ساعتين، إلا أنها استغرقت حوالي أربع ساعات. ولم يكن الأمر متعلقاً بالطريق أو المركبة، بل بالتأخير في الطريق نتيجة الحاجز العسكري الإسرائيلي الذي يقع على مسافة كيلومترات قليلة قبل الوصول إلى المنيزل. انطلقنا في مركبة للأمم المتحدة تحمل علم الأمم المتحدة من القدس إلى الخليل لاصطحاب د. إياد والممرضة حنان من مديرية وزارة الصحة، وكذلك طاقم وكالة رويترز للأنباء. سرنا في مركبتين باتجاه المنيزل، وبلغنا حاجزاً عسكرياً إسرائيلياً. تم إيقاف المركبتين كجزء من الإجراءات الأمنية. ومن سوء الحظ طاقم الأنباء أن د. إياد والممرضة حنان كانا راكبين معهم. قدم د. إياد وحنان بطاقتيهما الفلسطينيتين الخضراء اللون إلى الجندي الإسرائيلي الشاب، والذي قرر أن يقوم بإجراء فحص أمني. وسار الجندي الشاب ذاته نحو مركبة الأمم المتحدة وطلب منا بطاقات الهوية أيضاً. فوجئنا به يسمح لمركبة الأمم المتحدة بالمرور ولكن ليس لمركبة وكالة الأنباء. قلت للجندي بهدوء مشوب بخيبة الأمل: "نحن فريق واحد ولن نستطيع أن نترك هؤلاء الأشخاص ونمضي". فرد الجندي الشاب، الذي عرفت فيما بعد أن اسمه يوفال: "أنا آسف، ولكني أحتاج لأخذ الموافقة من المسؤولين عني لكي أسمح لهم بالمرور". وبعد مرور ساعة ونصف والعديد من المفاوضات مع يوفال، سمح لمركبة وكالة الأنباء بالمرور. هذه الرحلة الطويلة عبر طرق جبلية مرصوفة تحطي بها دوالي العنب من الجانبين انتهت بطريق أسوأ بكثير. فقد احتجنا للمرور عبر طريق ترابية غير مرصوفة جعلتنا نشعر وكأننا نركب مزلجة لولبية في ديزني لاند. وأخيراً بلغنا مبنى قديماً صغيراً مكوناً من طابقين يحمل لافتة كبيرة تقول: "مدرسة المنيزل الأساسية". نظرنا عبر نافذة المركبة، لنرى حوالي 100 طفل يصطفون في طابور تحت أشعة الشمس في ساحة صغيرة بائسة في انتظار أن نبدأ حملة التحصين. استمعنا إلى الأطفال يغنون، فيما كان د. إياد وحنان يستعدان لتحصين الأطفال ضد الأمراض الثلاثة المعدية: الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية. كان الأطفال خليط من الصبيان والبنات من أعمار مختلفة. تم توجيه الطلبة للدخول إلى غرفة صغيرة في مجموعات من أربعة حتى يتم تحصينهم. براءة، ابنة الثامنة وذات العينين الزرقاوين الواسعتين، كانت خائفة من دخول الغرفة. وعندما رفعت كمها، بدأت الممرضة حنان بمسح ذراعها بالكحول وقامت بزرق اللقاح. خرجت براءة من الغرفة وقالت لزميلاتها: "كنت أخشى أن يكون الأمر مؤلماً، ولكنني حقاً لم أشعر بالألم". براءة في الصف الثاني وموضوعها المفضل اللغة العربية. "أنا أحب اللغة العربية أكثر من سواها لأني أريد أن أصبح معلمة للغة العربية عندما أكبر". ترتيب براءة الثانية بين الأطفال في أسرتها ولديها أربعة أخوة. والدها لا يعمل ووالدتها ربة منزل. وقد جاءت الأسرة أصلاً من جنين شمال الضفة الغربية خلال صيف العام 2004 لزيارة أقربائهم في المنيزل، ولأنهم لم يتمكنوا من العودة إلى جنين منذ ذلك الحين بسبب القيود على التنقل. بعد أن حصلت براءة وأعز صديقاتها سجود على اللقاح، ذهبتنا لتلعبا لعبة إكس في الساحة الصغيرة في انتظار أن تنتهي صديقاتهما من التحصين. دخل الأطفال إلى الغرفة واحداً تلو الآخر للحصول على اللقاح. وخرج كل الأطفال سعداء بعد أن تلقوا نشرة تثقيفية حول الوقاية من الأمراض الثلاثة المعدية: الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية. احتاج د. إياد وحنان لحوالي ساعتين للانتهاء من تحصين الأطفال المائة جميعهم. وقال د. إياد: "هدفنا أن نصل إلى 1.2 مليون طفل في هذه الحملة. كل طفل له قيمته، ولذلك فقد جئنا إلى هنا اليوم لنصل إلى الأطفال الذين لا يصلهم أحد". المنيزل منطقة بدوية فلسطينية في جنوب الخليل يقيم فيها أكثر من 350 شخصاً، ويبلغ عدد الأطفال دون سن 18 عاماً أكثر من 150. وهي من المناطق النائية التي يواجه الفلسطينيون قيوداً في الوصول إليها. تتوفر في هذه المنطقة البدوية مدرسة أساسية واحدة يتعلم فيها 96 طفلاً من الصف الأول حتى التاسع. وتتوفر في المدرسة خمس غرف صغيرة فقط، تخدم كل منها شعبتين صفيتين في وقت واحد. وحسب ما يقول جعفر معلم اللغة العربية: "لم يتم منحنا رخصة لتوسيع المدرسة، ولكنا أمامنا مسؤولية كبيرة في تعليم أبنائنا. وما من حل إلا أن نجلس صفين معاً في غرفة صفية واحدة". يدرّس جعفر في هذه المدرسة منذ 12 عاماً. وهو معلم مثابر يقطن في قرية مجاورة على بعد 12 كيلومتراً من المنيزل. وبسبب القيود على التنقل، يضطر جعفر إلى السير عبر الوديان والتلال لكي يصل إلى المدرسة متجنباً الحواجز الإسرائيلية. وبالتالي، فإن الطريق إلى المدرسة التي تحتاج لا أكثر من 12 دقيقة بالسيارة تأخذ منه أكثر من ساعتين. ولكن جعفر يقول والاعتزاز ظاهر في عينيه: "أنا مصمم على مواصلة تعليم هؤلاء الأطفال. إن لم أقم أنا بذلك، فمن سيقوم به إذن؟". يخطط لحملة التحصين هذه أن تتواصل لمدة 3-4 أسابيع تحت قيادة وزارة الصحة وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي في السلطة الفلسطينية، ومع منظمة اليونيسف ووكالة الغوث الدولية – أونروا. كما يتم تقديم الدعم المالي لها من قبل حكومة اليابان.
|