أصوات الأطفال

قصص صورية

قصص إنسانية

مذكرات طفل

برنامج الطفل الفلسطيني في الدول الأربعة (لبنان و سوريا و الأردن و الأرض الفلسطينية المحتلة)

 

بعيداً عن المنزل: أحداث من قطاع غزة رهن الاعتقال

© يونيسف-الأرض الفلسطينية المحتلة/2005/ستيفن مالبي
محمد وشاح (على اليمين) مع صديقه عبد الرحمن

بقلم: ستيفن مالبي

أغلب الأطفال يتعلمون مع الوقت أنه إذا عملوا بجد في المدرسة وأحسنوا في أداء امتحاناتهم، فسيحصلون على وظيفة جيدة.
وللأسف، فإن مثل هذه الوصفة للنجاح بالكاد تنطبق على المتخرجين حديثاً من المدرسة الثانوية في قطاع غزة.

عندما سئل محمد إذا ما كان يدرك العواقب، أجاب: "طبعاً. ثلاثة من أصدقائنا القدامى فعلوا الشيء ذاته. كنا نعرف أنه من الممكن أن نسجن".

لنأخذ مثال محمد وشاح ابن السابعة عشرة.

ينحصر عالم محمد في قطعة أرض تزيد بقليل عن ضعف حجم مدينة واشنطن، يتشارك فيها مع 1.4 مليون شخص آخر. وبسبب القيود المشددة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على الدخول إلى غزة والخروج منها، فلم يكن أمام محمد الكثير من الفرص، في أحسن الأحوال، للحصول على عمل بعد إنهاء المدرسة. وحتى أولئك الذي يحالفهم الحظ في العثور على عمل، لا يتقاضى حوالي 60% منهم ما يكفي لكي يرتفعوا فوق خط الفقر على أقل تقدير.

لا عجب إذن أن يشعر محمد بشعور قوي من الإحباط أثناء تأديته الامتحانات النهائية وإنهائه المدرسة هذا الصيف.

التقيت بمحمد في منزله اللبني الصغير، حيث يعيش مع والديه وستة من الأخوة والأخوات في مخيم البريج الذي يمتد في المنطقة الوسطى من قطاع غزة.
"لا يوجد الكثير مما يمكن عمله في البريج. والنادي الترويحي الوحيد للشباب في المخيم قلما يكون مفتوحاً". وكل ما يفعله محمد في وقت الفراغ أن يقضي الوقت مع أصدقائه في البيت أو في الطرقات المهملة.

ربما كان هذا الضجر أحد الأسباب التي جعلت محمد، في عصر أحد الأيام قبل ثلاثة أشهر، يخرج مع صديقه عبد الرحمن، تاركين بطاقتيهما الشخصيتين الفلسطينيتين في المنزل، فيستقلان مركبة أجرة إلى الجزء الشرقي من قطاع غزة، ويسيران مشياً في اتجاه الحدود مع المنطقة العسكرية الإسرائيلية، ويخرجان أدوات قطع الأسلاك التي أحضراها معهما، ويقطعان السياج لكي يخرجا من قطاع غزة.

يتذكر محمد الحادثة، فيتكلم على مضض في البداية ولكن حديثه يزداد تسارعاً أثناء وصفه ما جرى. "كان الأمر كما لو أنهم كانوا يتوقعون وصولنا".

ما أن انسل الصديقان عبر السياج وانطلقا في الطريق، دوت طلقات نارية من سيارتين عسكريتين إسرائيليتين. تجمد محمد وعبد الرحمن في مكانيهما واعتقلهما الجنود الإسرائيليون وأخذوهما إلى القاعدة العسكرية في إيرز شمال قطاع غزة.

تبع ذلك أربعة أيام من التحقيق الممزوج بالضرب على يد القوات الإسرائيلية.

يشير عبد الرحمن إلى الكسر في ذراعه الأيسر قائلاً: "ضربوني بالعصي ولم أتلق أية رعاية طبية لمدة أسبوعين. وحتى ذلك الوقت، عالجوا التورم بالماء فقط". كان أثر التجربة المريرة واضحاً في نبرة صوته.

سألتهما: "لماذا قمتما بذلك بالضبط؟"

هذا السؤال مهم جداً. فرواية محمد وعبد الرحمن ليست نادرة الحدوث بأي شكل من الأشكال. وهناك إفادات من إحدى مؤسسات حقوق الإنسان المحلية في غزة بأنها تعمل على تمثيل أحداث في سبع أو ثماني قضايا تتشابه وقائعها مع رواية محمد وعبد الرحمن. رد الفتيان بالقول: "كنا نبحث عن عمل. فلا شيء يمكن عمله في غزة".

وعندما سألت محمد إذا ما كان يدرك العواقب، أجاب: "طبعاً. ثلاثة من أصدقائنا القدامى فعلوا الشيء ذاته. كنا نعرف أنه من الممكن أن نسجن".
يصف محمد الأوضاع البائسة التي اعتقل فيها، فيقول أنه في قاعدة إيرز يتشارك ثلاثة معتقلين زنزانة بمساحة 2×2 م تحتوي على سرير خشبي واحد وبطانيات متسخة ينامون عليها.

بعد قضاء 15 يوماً في إيرز، حكمت محكمة عسكرية إسرائيلية على محمد وعبد الرحمن بدفع غرامة والسجن لمدة شهرين لتدمير الممتلكات بشكل غير قانوني ودخول إسرائيل بدون تصريح. وتم تحويلهما إلى أعماق صحراء النقب في إسرائيل حيث يوجد سجن كيسيوت العسكري الإسرائيلي، والذي يتكون من خيم عسكرية كبيرة الحجم وأسوار عالية.

يقول محمد وعبد لرحمن أنهما احتجزا في الخيمة ذاتها بعد المحاكمة العسكرية، وكانا الحدثين الوحيدين في خيمة يحتجز فيها 23 أسيراً بالغاً. بقي محمد قيد الاعتقال لمدة 46 يوماً فيما بقي عبد الرحمن لمدة 35 يوماً.

التقيت بالفتيين بعد أيام فقط من إطلاق سراحهما، وفوجئت بقدرتهما على الارتداد بعد أحداث لا شك تسبب الصدمة لأي شخص بالغ، فكيف يكون الأمر بالنسبة لفتيين يافعين!

كانا يتكلمان بشكل صريح وكان محمد يشير إلى الأمر على أنه "تجربة تعلمية لا يجب أن تتكرر" إذ أنه خلالها رأى الموت بعينيه حرفياً.

هناك شعور واضح بالندم لدى الاثنين. يقول عبد الرحمن: "الآن سأتقدم للامتحانات النهائية متأخراً لمدة سنة كاملة. ولكن عندما ننهي المدرسة نريد كلانا أن ندخل في سلك الشرطة". لماذا؟ "لنلحق بالأطفال الآخرين ونوقفهم عن فعل الأمر ذاته. ليس بوسعي إلا أن أحمد الله على أنني ما زلت حياً!".

تعمل منظمة اليونيسف في شراكة مع وزارة شؤون الأسرى الفلسطينية وغيرها من الأطراف، في مختلف أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، لرصد وضع الأطفال الذين تعتقلهم إسرائيل على خلفيات أمنية ورفع التقارير بهذا الشأن. وتعتمد جهود اليونيسف في المناصرة لأجل حماية حقوق هؤلاء المعتقلين تبعا للمبادئ القانونية الدولية التي تنص على ضرورة استخدام إجراءات تأهيلية حيثما أمكن، وأن يكون اعتقالهم بمثابة الإجراء الأخير الذي يمكن اللجوء إليه ولأقصر فترة زمنية ممكنة، وأنه عند حرمان الأطفال من حريتهم، فيجب أن يعاملوا بطريقة تنسجم مع تعزيز حس الطفل بالكرامة والاحترام لكامل حقوقه.
وفيا يتعلق بأفعال الأطفال التي تمثل مخاطرة عالية بالاعتقال أو السجن على يد السلطات الإسرائيلية، تدعم منظمة اليونيسف وزارة شؤون الأسرى في إقامة حملة محلية لرفع وعي الأطفال بحقوقهم في مثل هذه الظروف.

وحسب ما تشير إليه وزارة شؤون الأسرى، يقبع حالياً أكثر من 300 طفل فلسطيني في المعتقلات الإسرائيلية.

ستيفن مالبي بريطاني الجنسية  يعمل مستشاراً لمنظمة اليونيسف في الأرض الفلسطينية المحتلة.

[تتقدم منظمة اليونيسف في الأرض الفلسطينية المحتلة بالشكر لمركز حقوق الإنسان على المساعدة التي قدمها في الإعداد لهذه المقالة].


 

 

 

unite for children