قصص من الحياة

قصص انسانية

 

قرية ملؤها الأمل والطموح

"أفضل ما حدث لي هو الحصول على فرصة لاكمال دراستي،" تقول أسمى (19 عاما) بابتسامة لامعة.

أسمى تعيش في قرية محافظة جنوب الاردن تدعى أم البساتين. تذهب البنات في هذه القرية الى مدرسة الراشدية الثانوية التي تبعد مسافة خمس دقائق بالسيارة. ولكن عند وصولهن الى المرحلة الثانوية فان معظم البنات في سن السابعة عشرة اللواتي يعشن في هذه المنطقة يجبرن على انهاء دراستهن، فبعد هذا العمر لا يوجد صفوف للبنات. كان هذا يعني ان على أسمى ان تبقى في البيت وتتزوج.

الراشدية قرية صغيرة عدد سكانها 4 آلاف نسمة. لم يقتصر الامر على عدم توفر فرصة لبناتها لاستمرار تعليمهن ولكن عائلات هذه البنات اثبتت انها عائق امام التعليم: رفض الآباء ان يسمحوا لبناتهم باستخدام وسائل مواصلات لمدة ساعات للذهاب الى المدرسة. فلاستمرار في التعليم على البنات ان يركبن الباص الى قرية مجاورة تبعد عشرة كيلومترات. تطلب هذا الامر ان تغيب البنات الى المدرسة وعودة الى البيت ست ساعات. كان الخيار الاخر هو ميناء الاردن الوحيد، العقبة الذي يبعد 45 كيلومترا. وفي كلا الحالتين كان سفر البنات الى مسافات بعيدة عن البيت أمرا غير مقبول ولم يسمع به في هذه القرية المحافظة.

تعيش أسمى مع أمها الأرملة أم عيسى، وبعد عدة سنوات من محاولة اقناع الرجال في القرية بالحاجة لبناء صفوف ثانوية للبنات في القرية، قامت أم عيسى وامرأتان اخريان تواجه بناتهما نفس المعضلة، بأخذ الامور بين ايديهن: ذهبن الى مدير تربية محافظة العقبة عودة انجادات لمناقشة الموضوع. أثار هذا الامر غضب رجال القرية. فالنساء لا يذهبن لمقابلة المسؤولين: فهذا عمل الرجال.

"تقليديا كان الرجال في القرية غير مدركين لأهمية التعليم،" يقول مدير تربية محافظة العقبة السابق عودة انجادات، مضيفا: "ولكن هذا الامر يتغير ببطء." وحلمه هو توفير التعليم لكل القرى في المحافظة.

عندما لاحظ انخفاض اعداد الطالبات في المنطقة وضع انجادات في خطته للعام 2000 الحاجة لإنشاء صفوف ثانوية جديدة للبنات في الراشدية، ولكن هذا لم يكن بمثل هذه السهولة. فطبقا للقانون الاردني يجب توفر عشرة طلاب على الأقل لفتح صف في القرية. كما واجه مقاومة من مديرة المدرسة وموظفاتها اللواتي ادعين بعدم وجود مكان في المدرسة. ولكنه وعد الأمهات بانه سيبذل جهده لفتح صف للتوجيهي للبنات.

مع سبع بنات أخريات راقبت أسمى الشهور تمضي وهي تنتظر صف التوجيهي على أحر من الجمر لاكمال دراستها. وللعديد من البنات في جنوب الأردن كان هذا الصف الأمل الوحيد لهن لاتمام تعليمهن والذهاب الى الجامعة.

خلال ستة أشهر من الزيارة الأولى للنساء الى انجادات، وبالتصميم والعمل الجاد ومزيد من الزيارات، تم فتح صف مجهز بالكامل لثماني طالبات في غرفة المعلمات في مدرسة الراشدية الثانوية. وانتقلت المعلمات الى غرفة المديرة واضطر انجادات للتفاوض مع وزارة التربية والتعليم لفتح الصف.

كانت أسمى وزميلاتها السبعة أول دفعة حالفها الحظ لاكمال امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) والتخرج عام 2002، وستتخرج دفعة جديدة من 12 فتاة هذا العام.

"كنا متحمسات جدا لنتعلم حتى بوجود زجاج نافذة مكسور طوال الشتاء، ندرس رغم البرد. كنا كلنا سعيدات للذهاب الى المدرسة كل يوم،" تقول أسمى.

ما الذي حدا بالنساء للتغير واتخاذ الخطوات اللازمة؟ تقول أم هشام: "اعتدنا أن نحضر اجتماعات لجنة العمل المجتمعي التي تدعمها اليونيسف، كانت الاجتماعات جزءا من مشروع تمكين المجتمعات المحلية. حددنا احتياجاتنا ومشكلاتنا، وفي الراشدية تم الإقرار بان تعليم البنات حتى ما بعد المرحلة الثانوية حاجة ملحة."

أم هشام أم لستة أولاد وبنتين وعملت بجد لتوفر لابنتها عبير (19 عاما) مستقبلا في التعليم. كان أبو عبير واخوانها من بين المعارضين لفكرة خروج البنات من البيت لفترة طويلة وحذروها حتى من ان "تحلم بدراسة التوجيهي".

من خلال المحاضرات الشهرية للجنة العمل المجتمعي حول مواضيع مختارة ومن خلال ورشات العمل المتنوعة التي حضرتها نساء القرية وبناتها، تعلمت أم هشام مهارات أخرى مثل الرعاية الوالدية. وتقول ان هذا ساعدها في اقناع زوجها بأهمية التعليم.

"كنا أول من أتممن تعليمنا الثانوي،" تقول أسمى التي تدرس الان في جامعة الحسين ابن طلال لتصبح معلمة، وهي تأمل بان تعلم في مدرسة الراشدية عندما تتخرج. "الان ستستفيد بنات أخريات من الصف. لولانا ولولا أمهاتنا لما تمكنت أي من تلك البنات أن تكمل آخر سنة من تعليمها هنا."

نجاح (19 عاما)، احدى المحظوظات الثمانية اللواتي تخرجن من الصف الجديد للتوجيهي تقول: "أعرف هذا الشعور الجميل باتمام الدراسة وسأتأكد بأن كل اطفالي، وخاصة البنات، سيتعلمن."

تقول أم ابراهيم أن الحياة في القرية تغيرت الى الأفضل منذ فتح هذا الصف. "قبل صف التوجيهي كانوا يمنعون البنات من ركوب أي وسيلة مواصلات الى مدرسة القرية المجاورة. الآن بدأت البنات تظهر خارج أسوار المنزل وعقلية ذكور القرية بدأت تتغير شيئا فشيئا."

يزداد عدد البنات المتخرجات سنويا والأمهات يقلن أنهن نجحن في تشجيع ذكور القرية للسماح لبناتهم باتمام التعليم الثانوي. تقول أم ابراهيم: "تعلمنا الكثير من لجنة العمل المجتمعي ونعرف الآن أهمية تعليم بناتنا. حرمت من تعليمي وأنا صغيرة ولا أريد أن يحدث الشيء نفسه لبناتي."

أعطت هذه التحديات للبنات الأمل بأنهن قد يكبرن يوما ما ويعملن في مهنة تجعلهن فخورات بأنفسهن ومعرضات للفرص التي توفرها الحياة. والان فان قرية الراشدية بشوارعها الضيقة وبيوتها المتواضعة تفخر بوجود بناء منفصل للمدرسة الثانوية (الصفوف 10 الى 12)  وتزداد أعداد البنات الملتحقات بالمدرسة سنويا. لقد أصبحت هذه القرية الآن رمزا للأمل والطموح للبنات اللواتي يعشن فيها.

 

 

unite for children