معاً من أجل الأطفال

المركز الصحفي

خطاب

خطاب نائبة المديرة التنفيذية لليونيسف الدكتورة ريما صلاح بمناسبة إصدار تقرير العمل الإنساني لليونيسف لعام 2006

الرياض
11 نيسان / أبريل 2006

أصحاب السعادة، زملائي وزميلاتي، السيدات والسادة الكرام، السلام عليكم.

اِسْمحُوا لي، نيابةً عَن السيدة آن فينمان المديرةُ التنفيذيةُ لليونيسف، أن أتقدّم لِحَضَراتِكُم بجزيلِ الشُّكرِ والتَّقدير، لِتوفيرِ هذه الفُرصةِ الثّمينةِ لليونيسف. إنهُ لَمِنْ دَواعي سُروري أنْ أطلق النصَّ العربيَّ لتقريرِ العملِ الإنساني لِعامِ 2006 هنا في مدينةِ الرياض، اعترافاً بالأهميةِ المتزايدةِ للمنطقةِ في مجالِ العملِ الإنساني.

إنّ الفقرَ والكوارثَ الطبيعية والأزَماتِ الإنسانية تُهدّد حياةَ الأطفالِ كلَّ يومٍ. وقد شَهِدَ عام 2005 حالاتِ طوارئَ لا مثيلَ لها – اِمتدَّتْ من الكوارثِ الطبيعيةِ الهائلةِ (كالتسونامي وزلزالِ باكستان وإعصارِ كاترينا وفيضاناتِ وَسَطِ أمريكا والمجاعةِ في النيجر) إلى عملياتِ الإغاثةِ واسعةِ النِّطاقِ والمتواصلةِ في أنحاءٍ مختلفةِ من العالَمِ (كالأرض الفلسطينية المحتلة وأفغانستان ودارفور في جنوب السودان وليبيريا وغيرِها).

 َتخيلوا أن اليونيسف، إلى جانبِ العَملِ الإنمائي الذي تقوم به يومياً في 155 دولةً وإقليماً، استجَابت لما مجموعُه 184 حالةِ طوارئ في عام 2004، أي بمعدّلِ أكثرِ من حالةِ طوارئٍ واحدةٍ كل يومين اثنين! معظمُ حالاتِ الطوارئ هَذهِ لم تسمعوا عنها الكثير؛ فقد َنالت استجابةً محلِّيةً وحَاوَلت المناطقُ المتضررةُ جاهدةً أن تجتذِبَ الاهتمامَ والتمويلَ والدعمَ لاستعادة إمكانيّاتها بعد أن تسبّبت لها هذه الطَّوارِئُ في فقدان سنواتٍ منَ العملِ والتنميةِ.

من يعرفُ مثلا أنّ 000 7 طفلٍ وامرأةٍ ورجلٍ قد فروا من جمهوريةِ إفريقيا الوسطى منذ حوالي أسبوعين مُتَّجهينَ نحو تشاد، وأن 000 50 شخصٍ آخرين يختفون في الأدغال خوفا من العنف؟

وفي ظلِّ هذه الظُّروفِ التي تَبْعثُ على القلقِ، بِسَبَبِ ما يتعرّضُ له الأطفالُ في مناطقِ الأزماتِ من أخطارٍ، تُصدِرُ اليونيسف تقريرَها حول العملِ الإنساني لعامِ 2006. وَفِيهِ تنادي اليونيسف بمبلغٍ قيمتُه 805,8 مليونَ دولارٍ لفائدةِ 29 دولةً في سبعةِ أقاليم، كلُّها في حاجةٍ إلى مساعداتٍ إنسانيةٍ ضرورية. وهذا المبلغُ سَيُخَصَّصُ لمساعدةِ النساءِ والأطفالِ في المناطِق التي تشهَدُ نزاعاتٍ أو التي خرجت لتوِّها من مرحلةِ نزاعٍ، وأيضاً في المناطقِ المُتضرِّرَةِ من كوارثَ طبيعيةٍ.

وقد أُنْشِئَت منظمتنا، التي كانت تُعْرَفُ عندَ بعثِها بـ ’مؤسَّسَةِ الأممِ المتحدة لِرِعَايةِ الطُّفولةِ‘، لتقديمِ المساعداتِ الإنسانيةِ للأطفالِ الذين يعيشونَ في عالمٍ مزَّقَتْهُ الحربُ العالميةُ الثانية. وفي عام 1948 قدَّمت اليونيسف الغذاءَ والدواءَ لما يتراوح بينَ 000 250 و000 330 اِمرأةٍ وطفلٍ فلسطيني ـ وكانت هذهِ واحدةٌ من أُولى العملياتِ التي جَرَت خارجَ أُوروبا.

ومنذُ ذلكَ الحين، نحن فخورونَ بِخِبْرَتِنا كَوِكالَةٍ للتّنمِيةِ، كما نشعرُ بالفخرِ عندما نقولُ إننا، في البُلدانِ المُتَضرِّرَةِ، غالباً ما نكونُ موجودين قبلَ حدوثِ الأزمة، وخلالَها وبعدَها، حيثُ نعملُ مع الحكوماتِ ووكالاتِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ الشقيقةِ لنا وحركةِ الصليبِ الأحمر/والهلالِ الأحمر، وخاصّةً معَ المُنَظَّماتِ غيرِ الحكوميةِ المحليةِ والدولية.

حضرات السادة والسيدات،

 لقد تَلَقَّتْ اليونيسف في عام 2005 حوالي 60 في المائة من التمويلاتِ المطلوبَةِ في حالاتِ الطوارئ، أي بزيادةٍ قَدْرُهَا 19 في المائة مقارنةً بعامِ 2004. وهذا يُعْتَبَرُ إنجازاً هامًّا مَكَّنَنَا من تحقيقِ الكثير.

إنّ الأطفالَ خلالَ الأزماتِ الإنسانيةِ هم الأكثرُ عرضةً للخطرِ. لذا فإنّ اليونيسف في حالاتِ الطوارئ تتحركُ بسرعةٍ لتحصينِ الأطفالِ ضدَّ الحصبةِ وغيرها مِنَ الأمراضِ الفتاكةِ، ولحمايةِ الأطفالِ والنساءِ منَ الاستغلالِ والإيذاءِ والعنفِ، ولنشرِ الوعي حول فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، ولتوفيرِ العلاجِ. خلال كلّ هذا، تُولِي اليونيسف الأولويّةَ للتعليم، عن طريقِ تقديمِ اللوازم المدرسيّة وبناءِ المدارسِ، اعتماداً على مفهومِ المساحات والمناهج الدراسية المناسبة للأطفال.

ففي أفغانستان، وفّرنا معداتٍ مدرسيةٍ لحوالي خمسةِ ملايينَ طفلٍ وقُمْنا بِتلقيحِ عددٍ مماثلٍ من الأطفالِ ضدَّ الشّللِ.

وفي أوغندا، رغم تَواصُلِ العنفِ في الشّمالِ خلالَ العامِ الماضي، فقد قُمنا بإنجازِ برامجَ تعليميةٍ وصحيةٍ وبتوفيرِ المياهِ لفائدةِ المئاتِ، بل الآلافِ، مِنَ الأطفال. كما وفّرْنا المأوى لِصَالِحِ 000 40 طفلٍ مِنَ الأطفالِ الذينَ يضطرُّونَ لمُغادَرَةِ قُراهِم كلَّ ليلةٍ والنّومِ في المُدُنِ هَرَباً من جيشِ المتمرّدينَ.
وفي إثيوبيا، قامت اليونيسف بدعم عددٍ من البرامِجِ لمساعدةِ الملايينَ من الأطفالِ المعرّضينَ لِخَطَرِ الملاريا والجفاف، كما نظّمتْ عدّةَ برامجٍ لدعمِ التّعليمِ.

أما في الأرضِ الفلسطينيةِ المحتلةِ، فقد تَمَّ تلقيحُ 000 650 طفلٍ في الضفةِ الغربيةِ و000 650 طفلٍ آخر في قطاعِ غزة. وقامت اليونيسف بتوفير رِزْماتٍ من مُسْتَلْزَماتِ الولادةِ واللوازِمِ الصحيةِ لفائدةِ 1,2 مليونَ شخصٍ، كما أَعدَّتْ مِلفّاتِ دروسٍ تعويضيةٍ لفائدةِ 000 90 تلميذٍ في السنة السّادسة وذلك في 13 إقليما في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وما هذه إلاّ نَماذِجٌ قليلةٌ لِعَمَلِنا، أضِفْ إليها عملياتُ الإغاثةِ التي قامت بها اليونيسف في الدُّوَلِ المُتَضرِّرةِ من التسونامي وفي باكستان، وهي عملياتٌ انْتَفَعتْ فيها اليونيسف بمساهماتٍ هامّةٍ من قِبَلِ المملكةِ العربيةِ السعودية.

بالنسبةِ للعامِ الحالي، فنحن نُطلقُ نداءاً بمبلغٍ تَتَجاوزُ قيمَتُهُ 805 مليون دولار سيُمَكِّنُنَا من المساهمةِ في تخفيفِ معاناةِ الأطفالِ والنساءِ في 29 دولةً غالبًا ما تغيب عن ذاكرةِ المجتمع الدولي والمانحين. من بينِ هذه الدُّول، على سبيلِ المثال، جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتوقّعُ اليونيسف مساعدةَ 13 مليون شخصٍ يعيشون في المناطقِ المتأثّرةِ بالصّراع، وهايتي وهي أكثرُ دولِ النّصفِ الغَربي للكرةِ الأرضيّةِ فقرًا إذ يحْصُلُ فيها 50 في المائة فَقَطْ مِنَ السكّانِ على الماء ، ومنطقةُ الساحل التي تَمُرّ بأزمةٍ غذائيةٍ تمسّ حياةَ الملايينِ وتَقتُلُ 000 250 طفلٍ سنويًّا، والسودان التي تَلَقّتْ ثلاث في المائة فقطْ من التمويلاتِ اللاّزمةِ لمُساعدةِ سكّانِ دارفور. 

وعندما تنعدمُ التّمويلاتُ أو تَتَوفّرُ بصورةٍ غيرٍ كافيةٍ، فإن البرامجَ الضروريةَ تبقى دونَ إنجازٍ، ممّا ينْجرُّ عنهُ نتائجٌ وخيمةٌ للأطفال إذْ يبقونَ دونَ تلقيحٍ ودونَ ماءٍ صالحٍ للشربِ على بُعدِ مسافاتٍ معقولةٍ ودون مدارسٍ أو دعمٍ نفسي أو خدماتٍ صحيةٍ أو مراكزَ للتغذية. وهذا يعني أحيانا الفرق بين الحياة والموت.

أخيرا، بودّي أن أُلفِتَ انتِباهَ حَضَراتِكُم إلى حالةِ طوارئ هائلةٍ قد تحدُثُ مستقبلاً، وهي إمكانيةُ تفشّي وباءٍ شاملٍ لإنفلونزا الطيور بين البَشر. تقريبًا نِصفُ الحالاتِ التي تَمَّ الإبلاغُ عنها حتّى الآن هي بَيْنَ الأطفال. وقد أطلقت الأُمَمُ المُتّحدة نداءً للتمويل وطلبت اليونيسف مبلغاً قدْرُهُ تسعةُ ملايينٍ من الدولارات لِدَعْمِ الاتصالاتِ الوطنيةِ والمحلية. مِنَ الضروري أن نتحرَّكَ الآن لِوَقْفِ هذا الفيروس المُميتِ قبْل أن ينتقل إلى البشر.

لذا أدعو حَضَراتِكم اليوم أن تَمُدّوا يَدَ المُساعدةِ وأن لا تَنْسوا أن للأطفالِ نفْسُ الحقوقِ، مهْما كانت الدُّولُ التي يَنْتَمُونَ إليها – وهي حقوق في التمتعِ بصحةِ جيدةِ وفي الحصولِ على التعليمِ وفي النُموِّ في ظلِّ مجتمعٍ ووطنٍ يضمنُ لهُم الدّعمَ.

حضرات السيدات والسادة،

نظراً إلى اتساعِ نطاقِ المشاكلِ التي نُواجِهُها، فإن وكالةً بمُفْرَدِها لنْ تَتمكَّنَ من تعزيزِ حُقوقِ الطفل. فالشَّراكاتُ معَ الأُسر والمجتمعاتِ المحليةِ والحكوماتِ والمجتمع المدني والقطاع الخاص ضروريّةٌ لتقديمِ الخدماتِ لجميعِ الأطفال. لكلٍّ منّا دورٌ عليه القيامُ به. أودُّ أن أشكُرَ بالخُصوص الجمعيةَ السعوديةَ للإغاثةِ لِما تمتازُ بهِ مِنْ رؤيةٍ والْتِزامٍ ولِشراكَتِها من أجلِ أطفالِ العالَم.

نحن الآن لدينا ما يلزمُ من معارفَ وخبرةٍ وتكنولوجيا. ولكننا نحتاج إلى المزيدِ من الالتزامِ السياسي والموارد.

أذكرُ أنني شاهدْتُ طفلاً يموتُ عندما كُنتُ في مركزِ تغذية في النيجر. وعندما سَألتُ الممرضة لماذا كانت تُزيل الأنابيبَ منْ جسمِهِ أجابت قائلةً : لقد فات الأوان. تَرددتْ هذهِ العبارةُ في ذهني مراتٍ عديدة ـ مَن الذي تأخرَ حتى فات الأوان؟ هل هي أنا؟ هل هو المجتمع الدولي ؟
يجب ألاّ ننسى أن الأطفالَ غالباً ما يدفعونَ ثمناً فادِحًا في حالات الطوارئ وأن مُستقبلهم  يتوقفُ على تقديمِ إغاثةٍ سريعةٍ وفعّالةٍ، وأن استقرارَ البلدانِ المنكوبةِ وتَقدّمِها يتوقفانِ في نهايةِ الأمرِ على الأطفال. ولهذا يجبُ أن نقفَ مع جميع شركائنا ومعكم جميعاً. معاً يجب أن نضمن طفولةً لكلِّ طفلٍ.
وشكراً لكم.

 * * *


 

 
ابحث