har_2009_header_ar
Languages
English
Español
Français

 

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: تقرير من السودان

© UNICEF Sudan/2008/Heavens

أطفال يحملون منشورات تحذر من الألغام الأرضية في دوليب، ولاية أعالي النيل، جنوب السودان. وتشكل المنشورات جزءاً من برنامج التوعية من الألغام الأرضية بإدارة اليونيسف والمنظمة الدولية للمعوقين.

الألغام الأرضية: إحدى ذكريات الحرب الأهلية في السودان المنسية بسرعة

كانت تيمين تلعب مع اثنين من أبناء عمها الصغار عندما لفت نظرها صندوقاً معدنياً تحت كومة من القمامة. وحملته الفتاة البالغة من العمر 10 أعوام، وأخذته معها إلى البيت في ملكال الواقعة على ضفاف النيل الأبيض في جنوب السودان، وعندما فتحته بسحب قضيب مثبت فوق ما يبدو أنه غطاء.

وقد أدى الانفجار إلى بتر معظم يدها اليمنى، وحرق وجهها من الذقن حتى الجبهة، وأمطر جسدها بقطع من الشظايا. وأصابت إحدى القطع المعدنية المتطايرة رأس ابن عمها إيمانويل البالغ من العمر أربع سنوات، وفقد عينه اليسرى بعمق 5 ملليمترات. واستقرت شظية أخرى في رقبة ابن عمها الآخر، حبيب، البالغ من العمر ثلاث سنوات، وتوقفت على مسافة قريبة من القصبة الهوائية. كما احترقت الطفلة انجلينا، شقيقة الفتى، التي كانت أيضا في الغرفة آنذاك، حتى ذراعها اليمنى.

ولا يزال المسؤولون لا يعرفون إن كان الصندوق الملفت للنظر قنبلة يدوية أم لغماً أرضياً قديماً، انفجر نتيجة اشتعال فتيل. لكن الشيء الذي كانوا واثقين منه هو أنه واحد من ملايين الأجسام المتفجرة التي لا تزال متناثرة حول ملكال وأجزاء أخرى من جنوب السودان، وهي جميعها من مخلفات عقود من القتال في أكبر بلد في أفريقيا.

وتنتشر فرق الأمم المتحدة لإزالة الألغام الأرضية حول ملكال وفي أعالي النيل والمنطقة المحيطة بها، وتقوم بإزالة المتفجرات القاتلة الواحدة تلو الأخرى. لكن المهمة الماثلة أمامهم شاقة وضخمة. وفي الوقت الذي يكملون فيه عملهم، تسير جماعات الإغاثة التي تمول الكثير منها اليونيسف، في نهج مواز. وتزور هذه الفرق المجتمعات المحلية والأطفال في أنحاء جنوب السودان، لترشدهم إلى سبل تجنبهم الإصابة أو القتل بواسطة الرصاص والصواريخ والقذائف والألغام حول منازلهم. كما توجد لفرق "التوعية بمخاطر الألغام" مهمة شاقة أخرى. فقد انتهت الحرب الأهلية الأخيرة بين شمال وجنوب السودان في عام 2005 بتوقيع اتفاق السلام الشامل. ولكن بعد مضي ثلاث سنوات، لا تزال على هذا الاتفاق، لا تزال توجد ألغام أرضية بكثرة على مسافة 15 دقيقة بالسيارة فقط من وسط مدينة ملكال المزدحم.

وقد يعرف السكان الذين يقيمون منذ فترات طويلة كل شيء عن المتفجرات، التي لا تبعد أحياناً سوى أمتار من بيوتهم. لكن ملكال – وهي نقطة عبور رئيسية للاجئين العائدين إلى ديارهم بعد الحرب - تعج بالوافدين الجدد الذين لم يتعرضوا للمخاطر من قبل. "إنها إحدى المشاكل الرئيسية"، يقول أحمد مسعود، مدير مشروع التوعية بمخاطر الألغام الذي يعمل مع فريق المساعدة الدولية للمعوقين، ويضيف، "يتدفق حالياً آلاف من الناس الجدد على المدينة بعد أن أمضوا عقوداً في مخيمات اللاجئين في كينيا وأوغندا"، ويمضي قائلاً: "لا توجد لديهم أي فكرة عن الألغام والمتفجرات الأخرى. حتى أنهم لا يعرفون شكل اللغم. إذ يأتي الناس ويبنون بيوتاً في المناطق الملغومة، وقد رأيت أناساً يستخدمون أحد حقول الألغام كمرحاض". وتوجد لدى منظمة المعوقين الدولية أربع فرق للتوعية بمخاطر الألغام تغطي 12 منطقة في ولاية أعالي النيل. وفي عام 2007، اُستخدم تمويل اليونيسف من أجل الوصول إلى أكثر من 28.800 شخصن عدد كبير منهم من الشباب والقادة الدينيين الذين تم تدريبهم لتدريب الآخرين في مجتمعاتهم المحلية.

وبالعودة إلى ملكال، كانت تيمين وابنا عمها يلعبون حول كوخهم. ولعل جراحهم بدأت تلتئم بعد شهرين من حادثة الانفجار، لكن الذكريات لا تزال ماثلة كما هي. وتصف والدة تيمين كيف أن أهالي القرية  هرعوا خارجين من أكواخهم، عندما سمعوا الانفجار وبحثوا عن الأولاد الذين أخذوا يجرون مبتعدين عن محيط بيت الأسرة مذعورين.

ولا تزال تيمين تزور المستشفى مرة كل بضعة أسابيع لتغيير ضماداتها، وقد استعادت روحها المرحة وبدأت ترحب بالزوار بخجل وهي تصافحهم بيدها اليسرى بحرج. ومنذ ذلك الحين، تحضر دروساً تثقيفية عن الألغام – وعلمتها التجربة أن تبحث في الأرض المحيطة بمنزلها عن أي شيء.

"لكن ثمة علامة استفهام بشأن تمويل الدروس المستقبلية لآلاف الأطفال الجدد الذي يفدون إلى المنطقة كل عام. إذ يصعب الحصول على الدعم المالي للتوعية بمخاطر الألغام"، تقول ياسمين عبد الله، مسؤولة المشاريع في اليونيسف لحماية الأطفال في المنطقة، وتضيف قائلة: "إن الجهات المانحة تريد أن ترى أشياء ملموسة، مثل بناء المدارس والمستشفيات. إن ما نحتاج أن نقوله لهم أن هذه الألغام تقتل الناس. إنها تشوّه الناس، وهي تمنع الناس من السفر والقيام بأعمالهم الزراعية".

"إن الألغام تنتشر في جميع الأماكن في جنوب السودان!"