زيادة استراتيجيات الوصول الميداني إلى الأطفال في ساحل العاج
يستغرق السفر براً من "أبيدجان" (العاصمة التجارية لدولة ساحل العاج) إلى مدينة "كورهوغو" في شمال البلاد مدة تسع ساعات. وهذه المدينة الأخيرة، المحاطة بالغابات والجبال المقدسة، لم تمسّها الحرب بشيء نسبياً. إلا أن الأزمة عطلت على نحو خَطِرٍ تأمين الخدمات الصحية، ولا سيما في شمال وغرب البلاد؛ وذلك لأن 85 في المئة من الكوادر الصحية البالغ عددها 3.500 شخص تركوا عملهم، ولأنَّ80 في المئة من 547 وحدة صحية أُغلقت في أعقاب تعرضها للسّلب أو النّهب.
لقد كان الانقلاب الفاشل في عام 2002 هو الشرارة التي أشعلت الحرب الأهلية التي قسَّمت ساحل العاج إلى جنوب تسيطر عليه الحكومة وشمال تقوده القوات الجديدة. فمنذ أن بدأ النزاع توقّف إمداد الخدمات العامة، مثل المدارس والمراكز الصحية، بالدعم الحكومي. وكانت الوكالات الإنسانية، مثل اليونيسف، مضطرة للتدخل لتُواصل تأمين الدعم للسكان الذين هم في أمسّ الحاجة للخدمات الأساسية.
غير أن القيود استمرت في الوجود، وذلك راجع على وجه التحديد، إلى عودة الكوادر المؤهلة بأعداد غير كافية. ومع ذلك، يتوافر في عدد من المراكز الصحية كوادر طبية كافية على الأقل لضمان التحصين الاعتيادي للأطفال دون السنة من العمر ضد شلل الأطفال، والدفتيريا والكزاز، والحصبة، والسل، والحمى الصفراء والتهاب الكبد الوبائي "ب". وتُعطى الأمهات والأطفال الرضع حَقْنات من توكسين الكزاز. ويتم إدماج الغذاء التكميلي المُكوَّن من فيتامين "أ" والحديد/الفوليك ومطعوم الوقاية من الملاريا في حَقنات التحصين ضد الأمراض.
ومع ذلك، وحتى في "كورهوغو"، حيث لم تتأثر البنى الصحية نسبياً بالأحداث، فإن اليونيسف ما تزال مضطرةً لأن تضع موضع التنفيذ نظاماً لتحصين الأطفال بانتظام وفعالية. تجدر الإشارة إلى أن اليونيسف تدعم برامج التحصين الاعتيادي في 38 مقاطعة (من أصل 70 مقاطعة) في أنحاء دولة ساحل العاج كلها. ويقول الدكتور "أبِل جويد"، مدير المركز الصحي في "كورهوغو": "أعطتنا اليونيسفُ السيارات والدراجات النارية التي مكَّنتنا من الوصول إلى الفئات السكانية التي تسكن في مناطق نائية. ومع أن العديد من الأمهات والأطفال قادرون على الوصول إلى مراكز تطعيم ثابتةٍ في المدن والقرى الكبيرة، إلا أنه من الضروري زيادة استراتيجيات الوصول الميداني التي تُحضر معها المطاعيم إلى الناس."
سارت مريم، 5 أعوام، مشياً على الأقدام إلى المركز الصحي العام بصحبة أمها، 34 عاماً، وعشرة من إخوتها وأخواتها. وتشعر أمّ مريم بالسعادة لأنها تستطيع أن تأخذ أطفالها إلى المركز الصحي. وتعرض مريم مفتخرةً دفتر التطعيم الخاص بها الذي تم فيه تدوين مواعيد التطعيم بحرص وعناية.
وتقول أمُّ مريم والابتسامة تعلو وجهها وهي تربط أحد أطفالها على ظهرها: "إنهم يقولون لنا أن أطفالنا يجب أن يُحصَّنوا ضد الأمراض لكي لا يمرضوا. وهم يعلّموننا أيضاً كيف نعتني بأطفالنا ونرعاهم، وكيف نغلي الماء قبل شربه والمحافظة على الطعام نظيفاً."
الأمهات وأطفالهن ينتظرون في الطابور، وقد تعوّدوا بشكل واضح على إجراءات تلقِّي الحَقْنات. لقد تسلَّمت أمُّ مريم – وهي حامل مرة أخرى - محقنةً وهي تقف في الطابور بانتظار أخذ الحقنة الخامسة من توكسين الكزاز، الذي سيحميها طوال الحياة. وبعد أخذ الحقنة، سيتم إلقاء المحقنة الفارغة في كيس الأمان ذي اللون الأصفر الفاقع الموضوع عند قدمي الممرضة.
ويقول يوسف عومر، ممثل اليونيسف: "عطّلت الأَزمة نظام مراقبة الأمراض وخفَّضت نسبة التغطية التحصينية لبرنامج التحصين الموسّع. وتظل الأمراض التي يمكن الوقاية منها أو التي تسهُل معالجتها تمثّل الأمراض القاتلة الرئيسة للأطفال والنساء في ساحل العاج، مع بقاء الملاريا والحصبة والتهابات الجهاز التنفسي الحادة وسوء التغذية مسؤولةً عن الأغلبية الشاسعة للوفيات. ومما يبعث على القلق المُفرط أن الإحصاءات الأخيرة لا تُشير فحسب إلى حدوث ارتفاع في معدلات وفيات الأمهات والرضع، بل تشير أيضاً إلى حدوث زيادة في مستوى انتشار سوء التغذية الحاد بين الأطفال.
قامت اليونيسف وتقوم، منذ عام 2004، بالتخزين المسبق للأدوية الأساسية واللوازم والتجهيزات الطبية والناموسيات المُعالجة بالمبيدات الحشرية المقاومة للبعوض، التي تكفي لتلبية احتياجات 32 مركزاً صحياً في المقاطعات المتأثرة من النزاع، وقامت أيضاً بإعادة تأهيل معظم مراكز الأمومة والمراكز الصحية. وقد ساعدت تلك الجهود على إعادة تنشيط أكثر من 89 في المئة من البنى الصحية في المناطق المستهدفة (في الشمال والغرب والوسط والجنوب الغربي)، وهي تتيح الفرصة لنسبة 66 في المئة من السكان للوصول إلى المراكز الصحية العاملة بالكامل ضمن مسافة 5 كيلومترات، أو في خلال أقل من ساعة واحدة من المشي.
تشعر أُسرة مريم بالسعادة، فهي مضطرة فقط لأن تمشي مسافة كيلو متر واحد لتصل إلى المرفق الصحي. وتقول أمّ مريم: "إنني أعرف أن تحصين أطفالي سيُبقيهم أصحّاء، وهذا هو السبب الذي يجعلني موجودة هنا." إن مريم وأشقاءها العشرة – أو الأحد عشر شقيقاً وشقيقةً في وقت قريب – محظوظون بوجود أم تتحلى بالمسؤولية. فأفضل بداية للحياة مضمونة لهم.
© UNICEF Côte d’Ivoire/2006


