"بانزا" الصغير شريان للحياة في إقليم كاتانغا – جمهورية الكونغو الديمقراطية
حدث ذلك في يوليو/تموز، إذ كان "موكالاي بانزا" عائداً من مزرعته في نهاية اليوم. وقد رأى المشهد المُرعب عندما اقترب من قريته الصغيرة "كِنتشا" في شمال إقليم "كاتانغا". وكانت الصَّيحات العالية وعويل ونحيب السكان تتناهى كلها إلى مسامعه عندما كان على بعد كيلو متر واحد من المشهد. ولم يكن أحد قادراً على إخباره، على وجه الدقة، بما حدث، ففهم أنهم كانوا في مرحلة إنقاذ ما استطاعوا إنقاذه من الدمار. كانت ألسنة النيران مشتعلة في جميع البيوت وكانت أجساد الناس منتشرة على سطح الأرض. فأسرع متجهاً إلى بيته ليجد أسرته، كلها تقريباً قد فارقت الحياة ملقاةً على الأرض: زوجته وأطفاله الثلاثة. ولم يبق على قيد الحياة سوى ابنه الأصغر، ابن الأربعة أشهرٍ، الذي نجا من المذبحة.
عندما غادر "موكالاي" البيت في صباح ذلك اليوم متوجهاً إلى مزرعته، لم يكن هناك ما يشير إلى أنَّ شيئاً من هذا القبيل سيحدث. لقد تعرّضت "كنتشا" على مدى أربعة أشهر متواصلة، لصنوف التعذيب جراء اندلاع هذا النزاع بين مختلف الفصائل من جهة والقوات المسلحة الوطنية من جهة أخرى، في محاولة من الأخيرة لاجتثاث المليشيات. وفي كثير من الأحيان، اعتاد رجال يرتدون زيّاً رسمياً ومتمردو "ماي – ماي" أن يأتوا إلى هذه القرية بحثاً عن الطعام، مسخّرين رجال القرية لهذه الغاية. إذ كانوا في وضع لا حول لهم فيه ولا قوة، وقد اعتاد "موكالاي" ومعه زملاؤه القرويون على أن يشاهدوا وقائع ما يقترفه هؤلاء الرجال من السرقة والاغتصاب وأفعال العنف ضد زوجاتهم وأطفالهم، ولم يكن القرويون يعرفون إلى أين يتجهون طلباً للإنصاف وجبر الأضرار، واستمرّ مرتكبو تلك الجرائم في اقترافها متمتعين بحصانة واضحة.
استشعر "موكالاي" خطراً داهماً وشيكاً ينتظره، فاحتضن ابنه وتوجه إلى الأدغال هارباً من الموقف. وأقام فيها مدة ستة أشهر. ثم أباح بسرِّه قائلاً: " من الصعب عليَّ أن أخبرك ما تناولناه من طعام. غذاؤنا الرئيس كان من جذور أو نشاء المَنِيهوت الذي كنت أحصل عليه من المزارع المهجورة، وكنت أحوّل الوجبة نفسها إلى ثريد وأُطعم ابني منه. وقد اقتلعت نباتات برية صغيرة لاستكمل بها وجبتنا التي شاركتنا الحشرات في تناولها. ولم يتوافر لنا الماء الصالح للشرب، وكنا نشرب من الينابيع أحياناً، ولكننا في أحيان كثيرة أخرى استخدمنا مياه النهر."
وتابع "موكالاي" حديثه قائلاً: "لقد كانت وجباتنا نوعاً من الحِمية المفروضةً علينا، تفتقر إلى البروتينات والفيتامينات، ولم تكن ملائمة على الإطلاق لاحتياجات الطفل الرّضيع، بل إنها أسهمت في المستوى المتراجع لصحة جميع الأطفال. وكانت الظروف سيئةً للغاية: فالمأوى غير متوافر والطقس بارد. ولم أستطع توفير الرعاية الكافية لابني. وقد تعرّض لجميع أنواع الأمراض، وعشنا في خوف دائم."
وفي أحد الأيام، التقى "موكالاي" بمجموعة من النازحين الذين أقنعوه بالذهاب إلى "متوابا". فقد سمعوا عن إمكانية الحصول على المساعدات الإنسانية هناك. فوصل إلى "متوابا" التي كان عشرات الآلاف من السكان قد تجمعوا فيها في مايو/أيار 2006. ونظراً لحالة ابنه الصحية الضعيفة، تم تحويله مباشرةً إلى مركز التغذية العلاجي الذي تديره منظمة Action contre la Faim، وهي إحدى المنظمات غير الحكومية التي تدعمها اليونيسف، والتي توفر الرعاية الحثيثة للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحرج. وتقوم اليونيسف بتزويد هذا المركز بالأدوية، وبخاصةٍ الحليب المقوى، والبطانيات والصابون والمواد الأخرى.
كاد وزن "بانزا" الصغير أن يصل إلى 3.1 كيلو غرام عندما كان عمره 12 شهراً. "فقد جاء هذا الطفل إلينا وهو في حالة حرجة. ولم يكن قادراً لا على أكل الطعام ولا على الحركة، وكان يبدو مريضاً متألماً من مجرد النظر إليه. فقمنا بفحصه فوراً لمعرفة حالته من حيث الجفاف وقدمنا له الرعاية والغذاء الذي كان يحتاج إليه على مدى الأيام الأربعة الأولى."
وبعد ثلاثة أسابيع، بدأت صحة "بانزا" بالتحسّن، وهو ما يزال يخضع حينئذٍ للرعاية الحثيثة للتأكد من أنّ جسمه الصغير قادر على التغلب على الأمراض، والأهم من ذلك للتأكد أيضاً من أنه أخذ يستعيد شهيته لكي تتم إضافة المكمّلات الغذائية تدريجياً إلى وجبات طعامه. "بانزا" الصغير لا يستطيع الزّحف أو الحبو ولكنه قادر على الابتسام من جديد ويعرف والده والناس من حوله. وفي كل يوم جديد يُظهر علامات على تحسّن بطيء ولكنه أكيد. وحياته لم تَعُدْ في خطر.
"بانزا" محظوظ. فالكثير غيره من الأطفال لم يتمكنوا من النجاة نتيجة اللجوء المطوّل إلى الأدغال. ومع استمرار المفاوضات في الوقت الحاضر بين الحكومة وميليشيات "ماي – ماي"، أخذ عدد النازحين المتوجهين إلى "متوابا" يزداد أكثر فأكثر أملاً في الحصول على بعض المساعدات، حيث تقدم اليونيسف لهم أدوات الطهي، والبطانيات، وصفائح المياه، والصابون والصفائح البلاستيكية وغير ذلك. وهذه من اللوازم الحاسمة التي يحتاجون إليها قبل أن يرجعوا في نهاية المطاف إلى قراهم الأصلية. ومنذ يناير/كانون الثاني 2005، قامت اليونيسف شهرياً بمساعدة حوالي 120.000 نازح من سكان جمهورية الكونغو الديموقراطية.
© UNICEF DRC/Pirozzi


