أوجه الأطفال في المدارس الصديقة للطفل في شمال كولومبيا
قرأنا قبل بضعة أشهر خبراً حول زيارة قامت بها شخصيات رفيعة المستوى إلى مدارس "سانتا إِنيس وسان جوسيه" الواقعة ضمن بلدية "أيابل"، مقاطعة "كوردوبا"، وهي منطقة في شمال كولومبيا متضررة من العنف. لكن شيئاً أبعد من فقرات زيارة هذه السلطات لفت انتباهنا واهتمامنا ... إنه شيء لم يكن جزءاً من الأخبار.
ابتسامات في خِضمِّ الحرب
إن أول شيء يمكن للمرء رؤيته أن تلك المدارس كانت مختلفة تماماً عن المدارس التي يجدها المرء عادة في المناطق الريفية، وحتى في المدن الكبيرة في كولومبيا.
كان في المدرسة أطفال يبتسمون، يدرسون ويلعبون، ويرقصون في فنائها مسرورين، ويبدون في صحة عفيَّة نمت وترعرعت بقوة. وكان زيّهم المدرسي الموحد نظيفاً وكتبهم تبدو بمظهر جيد. وقد شرحت إحدى المعلمات، ممن يتّصفن بالودّ والجاذبية، عناصر مبادرة المدرسة الصديقة للطفل، وهي: شمول جميع الأطفال، الاستمرار في الدوام والنجاح في المدرسة. إضافة إلى شرح المحاور الاستراتيجية الأساسية التي تقود عملية التعليم، وهي: التوعية، احترام الحقوق، المشاركة، التعبئة المجتمعية، الإبداع والممارسة اليومية.
وثمة عناصر أخرى أساسية لا يمكن الاستغناء عنها يمكن ملاحظتها، من مثل البنية التحتية للمدرسة، ودورات المياه "الحقيقية" للأطفال، والطاولات التي لها شكل المضلّع "شبه المنحرف"، التي يمكن تجميعها معاً بطرائق مختلفة، واللوازم والتجهيزات المدرسية الأخرى. وأخيراً المكوّنات التدريسية المتوافرة في المدرسة، وهي: المنهاج، الملكية المشتركة، المشاركة، العلاقات والتواصل، الرعاية الصحية، التعافي النفسي الذي غالباً ما يكون ضرورياً للصحة العقلية للنازحين، والتغذية.
إن هذه النتائج، التي تحقّقت لضحايا النزوح والنزاع المسلح، من شأنها أن تكون مدعاةً للاستغراب والدهشة لو أنها لم تكن النتيجة المبتغاة من استراتيجية المدرسة الصديقة للطفل. إنها نتيجة تعتبر مثاراً لرغبة شديدة تتمنى اليونيسف نسخها بحذافيرها وتطبيقها في مناطق أخرى من كولومبيا.
أنا لا أستطيع ارتداءَه! ألا ترى أنه جديد؟
في الأوضاع الطارئة، تحتوي استراتيجية المدرسة الصديقة للطفل على عنصر إضافي هو: توفير أطقم أو حقائب المواد التعليمية (وهي مجموعة من اللوازم المدرسية، والكتب، والدفاتر والمواد الأخرى التي يتطلبها تعليم الأطفال)، إضافة إلى توفير الأزياء والأحذية، التي لها أثر رائع على الصحة العقلية للأطفال ولآبائهم وأمهاتهم كذلك، لأنهم يستطيعون أن يستمتعوا مع أطفالهم بما لم يستطيعوا هم أنفسهم توفيره لأطفالهم. المشهد التالي رواه المسؤول المساعد في قسم الحماية لدى اليونيسف:
"يُعتبر الحذاء من إحدى وسائل الترف والرفاهية لدى الكثيرين من الأطفال القرويين، مع أن الأحذية تُعدُّ من اللوازم التي لا يمكن الاستغناء عنها مطلقاً في المدارس الصديقة للطفل. ففي أحد الأيام، وبعد أن تم توزيع الأحذية على مجموعات صغيرة، خلعها العديد من الأطفال وانطلقوا يركضون مسرورين وهم يحملونها في أيديهم. وعندما طلبت منهم أن يرتدوها، أجاب أحد صغار الأطفال قائلاً: "أنا لا أستطيع ارتداءَه! ألا ترى أنه جديد". قال ذلك وهو يحتضنه كما لو كان من الألعاب الأثمن لديه، ويبدو واضحاً أنه لا يمتلك هذه الألعاب.
هذا تمرين غير مباشر يهدف إلى تحسين مستوى تقدير الأطفال لأنفسهم عملياً. وهذه الأسباب هي التي تجعل الإصرار على شمولية مشروع المدارس الصديقة للطفل أمراً في غاية الأهمية. كما أن الأشياء التي تؤدي إلى توافر الصحة والتعليم تنتعش من جديد أيضاً في المجال العاطفي، والعكس صحيح. وكان فتىً آخر، في سنّ الثامنة تقريباً، قد قال لي: "إن حذائي جديد وهو لي وحدي فقط." هذه الجملة التي خرجت من فمه الصغير أثارت اهتمامي. فعندما سألته "لماذا"؟ شرح لي الجواب قائلاً بأن أخته الأكبر منه سناً دائماً تستأثر بكل حذاء جديد، وأنه اعتاد على أن يرث الحذاء الذي يضيق على قدميها. لذا فإن الحصول على حذاء جديد بالنسبة له كان شيئاً رائعاً."
وعلى الفور، تخيّلت أن ذلك الفتى يمكن أن ينام تلك الليلة وهو يمسك الحذاء بيديه، وأنه من الممكن أن يستعمله فقط في الذهاب إلى المدرسة أو عندما تطلب منه أمه أن يرتديه. فبالنسبة له، ربما لا تكون هناك أية هدية أفضل من حذاء جديد يستخدمه لأغراض المدرسة. والآن يُمكنه أن يكون قادراً على المشي من دون أن تؤلمه قدماه."
وفي الوقت الحاضر، وفي خِضَمِّ النزاع المسلح، بدأت الشراكة بين اليونيسف والكنيسة الكاثوليكية في مختلف المناطق في كولومبيا تؤتي ثمارها: فالأطفال يدرسون وهم سعداء، والأسر تحضر إلى المدرسة لتستعيد ما فقدته من أوهام تراها تتحقق، والمجتمعات المحلية تؤدي دور الحَرَسِ للمكان الذي يحصلون منه جميعهم على الأدوات التي يمكنها أن تجلب لهم حياةً أفضل.
© UNICEF Colombia/2006/Brodeur


