زامبيا
فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب/الإيدز: الوضع الطارئ الصامت في زامبيا
لا توجد علامات بارزة تدل على وجود الدمار أو النزاع أو المجاعة الشديدة في زامبيا. فالناس ينتقلون عَبْرَ "لوساكا" بطريقة تشبه كثيراً طريقة انتقالهم عَبْرَ أية عاصمة أخرى في القارة الإفريقية. والأسواقُ محمومةٌ بكثرة مشاريع الأعمال فيها، والسيارات تُحدث هديراً في شوارع شديدة الاهتياج. ويبدو في أغلب الأحيان أن ازدحام المدينة بالأعمال الروتينية لن يبدّد كثافته سوى موسم المطر. ومع كل ذلك، فإن زامبيا أصبحت عالقة في براثن قبضة حالة طارئة حقيقية جداً، تتمثَّل في انتشار وباء فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة/الإيدز، تركت الحكومةَ الزّامبية مضطربةً منكوبةً، والمجتمعَ الدولي في حالة من القلق العميق، والزّامبيين يموتون بسبب هذا الفيروس، إذ تُوفي 96.000 شخص في عام 2006 وحده وفقاً للتقديرات الصادرة من مكتب الإحصاء المركزي.
وبالفعل، فإن وضع فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة أصبح شديد الوطأة إلى حدٍّ أدَّى في سبتمبر/أيلول 2004 إلى إعلان رسمي عن حالة الطوارئ على مستوى الدولة لكي يتم التعامل مع الطلب المتنامي سريعاً على الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية (الرجعية). فقد أحدث المرض أَزَمَةً ضخامتها بلغت حجماً شَلَّ جميع جوانب المجتمع، ابتداءً من الحكومة والصناعة وانتهاءً بالمجتمع المدني والأُسرة. ومع تفشِّي فيروس نقص المناعة البشرية بنسب مرتفعة تبلغ مستوى إصابة شخص واحد من كل 6 زامبيين، فلا يوجد شخص واحد، من الناحية العملية، لا تمسُّه تبعات هذا الوباء المتفشي.
قضت "إليزابيث فيري" - التي مضى عليها في العمل لدى وزارة الصحة أكثر من 24 عاماً - الاثنين وعشرين عاماً الأخيرة من عملها كممرضة قانونية وقابلة قانونية في العيادة الصحية في تشيلستون، بمقاطعة تشيلستون في لوساكا. وقد شهدت هي الأخرى وعاشت نصيبها من الحزن والكرب الذين عاشهما ويعيشهما المجتمع. وتحافظ "سِسْتر فيري Sister Phiri"، وهو الاسم الذي تُعرف به، على إظهار ابتسامة مشرقة، وروح الدُّعابة المصحوبة بسرعة البديهة، والوعي الحريص بتقدير الأمور حق قدرها.
وكما توضّح "سِسْتر فيري" بأسلوب يتميّز بذكاء وقّاد، فإن الأمور كانت أسوأ بكثير مما هي عليه الآن قبل وقت غير بعيد. ففي أوائل التسعينات من القرن الماضي، كان هذا الوباء المتفشي لا يكاد يكون ملحوظاً في قسم حديثي الولادة من العيادة، ولكن بعد مرور بضع سنين، تصاعدت حدة الوضع بطريقة مثيرة للاهتمام. وفي عام 2003، كانت 8 نساء من كل 10 نساء حوامل يُراجعن العيادة مصابات بفيروس نقص المناعة البشرية. ولكن الأسوأ من ذلك كان عدم موافقة سوى 20 في المئة تقريباً من مراجعي العيادات، على إجراء فحص الكشف عن الإصابة بالفيروس. ولوضع الإحصاءات في منظورها الصحيح، يُقدّر عدد الأطفال الذين يُولدون سنوياً في زامبيا، وهم حاملون لفيروس نقص المناعة البشرية، بما لا يقل عن 40.000 مولود، ثُلثهم لا يظل على قيد الحياة طويلاً ليبلغ السنة الأولى من عمره، ونصفهم يُتوفى قبل بلوغ سنِّ الثانية.
بَيْدَ أن العيادة الصحية في تشيلستون قامت، على مدى السنوات الماضية، بتأسيس العديد من الأساليب الخلاَّقة للمساعدة في مكافحة هذا الوباء المتفشِّي. فقد اشتمل بعض الاستراتيجيات غير القياسية على الجلسات الاستشارية الثنائية (من شخص إلى شخص) مع مرشد مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية، ومجموعات الأعمال الدرامية، التي تقدم لمحات خاطفة موضوعية عن الحقائق الواقعية الاجتماعية للمرض، مما يفضح ويكشف النقاب عن وصمة العار الاجتماعية. وتنظر "سِسْتر فيري" إلى هذه الجهود على أنها تُحدث أثراً حقيقياً وأن التقديرات تفيد أنَّ معدل انتشار فيروس نقص المناعة البشرية بين النساء المراجعات للعيادة قد انخفض إلى 6 نساء من كل عشر نساء. أما الشيء الأكثر أهميةً فهو أنّ الناس أصبحوا يشعرون بارتياح حيال فكرة إجراء فحص الكشف عن الإصابة بهذا الفيروس، الأمر الذي جعل الانضمام إلى هذه الجهود لا يقتصر على النساء الحوامل فقط بل امتد أيضاً ليشمل شركائهن. فالفحص هو عبارة عن تكتيك مهم في صدِّ وردّ طبيعة المرض المرنة والقابلة للتأقلم، والحدّ من انتشاره.
لماذا يعتبر هذا الفحص أداة حيوية لوقف انتشار فيروس نقص المناعة البشرية بين الأطفال؟ تلاحظ "سيستر فيري" قائلة: "عندما تُعْرَفُ الأم الحامل أنها مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية وعندما يتم اتخاذ الاحتياطات الملائمة، يقف معدل انتقال الفيروس من الأم إلى الطفل عند مستوى أقل من 5 في المئة. غير أن معدل الانتقال يُقدّر بحوالي 30 إلى 40 في المئة من دون اتخاذ هذه الاحتياطات."
لا تنفرد "سيسْتر فيري" في تقييمها هذا. فالدكتور "تيسفايي شِفرو"، رئيس قسم الصحة في مكتب اليونيسف – زامبيا، الذي يمتلك خبرة تزيد على 13 عاماً في هذا المجال، يتفق معها في الرأي القائل بأن البرامج التي تركّز على الوقاية من انتقال فيروس نقص المناعة البشرية من الأم إلى الطفل، مثل البرنامج الذي يتم تنفيذه في العيادة الصحية في تشيلستون، لها أثر مهم في هذا الشأن. ويلاحظ الدكتور "شِفرو" قائلاً: "من دون تنفيذ برامج الوقاية من انتقال فيروس نقص المناعة البشرية من الأم إلى الطفل، من المحتمل أن تتوافر فرصة ضئيلة للعديد من حديثي الولادة في البقاء على قيد الحياة مدة طويلة. وتُعَدُّ استراتيجيات الوقاية من هذا الانتقال أحد أفضل أسلحتنا لمكافحة انتشار مرض الإيدز المتفشي." ومن الواضح أنه سواء تحدثنا ميدانياً مع "سيستر فيري" أم على المستوى الدولي مع الدكتور "شِفرو"، فإنه يتعيّن على زامبيا الاستمرار الدؤوب في محاولاتها للحد من هذا الوضع الطارئ. ففي ظل وجود حوالي مليون يتيم، من المحتمل أن تكون زامبيا ماضية في طريقها نحو مواجهة حدوث كارثة اجتماعية. إنها في الواقع حالة طارئة صامتة في طبيعتها، ولكنها حالة تخترق جميع أركان الحياة الزّامبية، وهي تُدمِّر ببطء سكان البلاد بما يرافق ذلك من عواقب كارثية.
© UNICEF Zambia/2006


