الصومال
ذَهَبٌ سائل ونهر من الدموع: محنة القرويين الذين ضربهم الجفاف في جنوب الصومال
كغيرها من الآلاف الآخرين في الصومال، تتعامل "فادوما أداو بوليس"، البالغة من العمر 26 عاماً، مع آخر محنة تُحدق بالسكان. فهذه الدولة، التي عانت من النزاع العشائري على مدى عدة سنوات ومن فرص الوصول المحدودة إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية، تواجه الآن أسوأ حالة من الجفاف شهدتها على مدى عقد من الزمان. ولكون هذه الدولة تعيش على برميل من البارود (من بنادق كلاشنكوف الأوتوماتيكية إيه كيه – 47)، فإن لكل شيء ثمنه. وفي أرض جافة جفاف العظام، تكون المياه فيها مماثلة للذهب السائل.
وتشرح "فادوما" الوضع قائلةً: "تشهد المنطقة قحطاً وجفافاً، وقد أخذت الحيوانات تنفق ونحن الآن جائعون. الوضع صعب برمته ونحن جائعون. وجميع المنطقة، بل جميع البلاد تشهد وضعاً مماثلاً. " وتعمل النزاعات المستوطِنة في البلاد على مفاقمة الوضع بصورة إضافية حيث جفَّت مناطق استمداد المياه. وفي هذا السياق يقول مَلَكْ محمد محلم عمدة القرية، بعد أن جفَّت البئر الارتوازية في قريته في وقت متأخر من العام الماضي: "أولويتنا الكبرى هي المياه. فعندما يكون شخص ما ينزف، فأول شيء يقوم به المرء هو إيقاف ذلك النزيف. وعلى ذلك، إذا لم تتوافر المياه، فلن تتوافر الحياة." وتتوافر تقارير في الوقت الحاضر عن الأعداد المتزايدة من الرعاة/الريفيين الذين يعيشون حالة من الفقر المدقع، متجمِّعين في بلدات/مدن جنوبي الصومال، ويعتمدون على مساعدات الإغاثة. فمن يصل آخِراً، يتلقَّ المساعدة آخِراً.
وهنا يقول عبد القادر دالب، مسؤول المياه والصرف الصحي لدى اليونيسف، الموجود في "واجد" في الصومال: "حالما تبدأ الموارد في التضاؤل؛ أي عندما يندلع النزاع، وبخاصة عندما تكون هناك كمية قليلة جداً من المياه، وكل شخص يريد أن يحظى بالأولوية، فإن أوّل القادمين للحصول على الموارد هم السكان المحليون في المنطقة. أما السكان الذين ليسوا من هذه المنطقة أو الذين ينتقلون إليها فلا يعتبرون من الأولويات."
ومن الأوضاع المعتادة والمألوفة التي تعاني من مثل هذا الوضع بلدة "واجد"، التي شهدت تضاعف سكانها خلال الربع الأول من العام مع وصول 12.000 شخص من المناطق النائية ساعين وراء الماء والغذاء. وحالما تجمهر المعرّضون للخطر والضعفاء في البلدة بحثاً عن المياه اتضح على وجه السرعة أن "واجد" ليست واحة الميعاد التي كان العديد يأملون في أن تكون كذلك.
سافرت "حبيبة مدكر" سيراً على الأقدام مدة خمسة أيام لكي تصل إلى "واجد". ووصفت ذلك قائلةً: "شهدنا رحلة صعبة جداً، إذ لم تتوافر لنا المواصلات الملائمة. ولأننا فقدنا دَوابَّنا (حيوانات الركوب)، فقد حملتُ الأطفال على ظهري. ولم نحصل على أي دعم منذ وصولنا إلى هذا المكان. ولا أستطيع حتى الخروج من أجل الاحتطاب؛ لأنني لا أستطيع ترك أولادي خلفي. الأطفال مرضى لأنهم جياع. ولا أستطيع العودة إلى حيث أتيت. فلا شيء هناك." وفي ظل هذا الضغط، غدت موارد البلدة وصبرُ السكان مستنفدة إلى أقصى الحدود التي يستطيع الإنسان تحملها. فتدخَّلَت اليونيسف وشركاؤها من المجتمع المحلي بسرعة عن طريق إحضار شاحنات صهاريج المياه المأمونة لدعم ما يزيد على 36.000 من السكان في المنطقة. ولم تكُن فرص الحصول على المياه المأمونة سوى واحدة من عدد وفير من الحاجات العاجلة التي واجهها هؤلاء الناس، ولكنها حاجة كانت تعني الفرق بين الحياة والموت.
يقول "كريس برنت"، رئيس فريق اليونيسف للمياه والصرف الصحي في الصومال: "المساعدات المقدمة من اليونيسف أكثر من مجرّد تقديم المياه. فالمياه النظيفة هي إحدى حقوق الإنسان الأساسية، ولكنها، في الصومال، تحدّ من الإمكانية المحتملة لحدوث النزاع، وهي بذلك تُسهم في تحقيق السلامة لِ "حبيبة" وأطفالها. هدفنا لا ينحصر في مجرد تخفيف كل من المعاناة المباشرة والتهديد بالإصابة بالمرض. إنه يرمي إلى تعزيز الحسّ الرئيس للمجتمعات بملكية شبكات المياه التي تضررت من النزاع، وإلى كميات كافية من المياه للسكان ولحيواناتهم. إننا بحاجة لأن نركّز على الطريقة التي يمكن بوساطتها للدعم المقدم من اليونيسف أن يُسهم في إنهاء هذه الحلقة من اليأس التي تسلب الناس أسباب رزقهم وعَيشهم."
ويمكن أن يُنظر إلى هذا الأساس المنطقي من منظور المساعدات التي تقدمها اليونيسف إلى المجتمعات المحلية، مثل مجتمع "كولان جورَّر" في "واجد"، من أجل بناء خزانات المياه وإصلاح شبكات المضخات التي تخدم المجتمعات المحلية مثل مجتمع "حبيبة". وحتى تاريخ إعداد هذه القصة الإخبارية، فإن أكثر من 200.000 شخص من السكان وممتلكاتهم من الماشية قد استفادوا من الأساليب التجديدية للأجهزة والمعدات، بما في ذلك تزويد المضخات التي تعمل بالطاقة الشمسية. إنّ هذه التدخلات ربما لا تكون قد عملت على إيجاد حل للنزاعات، ولكنها منعت انتشار الأمراض القاتلة وخفّفت وقْع المعاناة الفورية المباشرة.
ستبقى الحياة، بالنسبة لكل من "فادوما" و "حبيبة" بمثابة الميزان المتقلقل خلال الأشهر القادمة. ومع ذلك، فحينما تعودان إلى مسقط رأسيهما عندما تهطل الأمطار ثانيةً، فإن اليونيسف ستواصل دعمها لهما عن طريق إصلاح مضخات المياه والآبار في مجتمعاتهما المحلية، الأمر الذي يؤدي إلى كسر حلقة اليأس والاستعاضة عن نهر دموعهما بالمياه النظيفة.
© UNICEF Somalia/2006/Keulen


